منتديات قوس قزح
<!DOCTYPE HTML PUBLIC "-//W3C//DTD HTML 4.01 Transitional//EN"><html dir="rtl" lang="ar"><head><meta http-equiv="content-type" content="text/html; charset=windows-1256"><meta name="language" content="ar" /><meta name="description" content="All Original Programs" /><meta name="keywords" content="برامج" lang="ar" /><meta name="robots" content="index, follow, noodp" /><MARQUEE scrollAmount=6 behavior=alternate><FONT color=red size=6><STRONG>مرحباً بكل أعضاء وزوار منتدى البرامج بمنتديات قوس قزح</STRONG></FONT> </MARQUEE>

منتديات قوس قزح

جديد البرامج . شرح لبعض البرامج الموجودة في الموقع .منتديات الكمبيوتر والانترنت.الجوالات والهواتف المحمولة.كروت الساتلايت.الأفلام والسنما و المسلسلات. المنتدى الثفافي. البرامج التعليمية. الكتب التعليمية.ملفات مدرسية.
 
الرئيسيةالبوابة**الأحداثالمنشوراتاليوميةمكتبة الصورس .و .جبحـثالتسجيلدخول
دخول
اسم العضو:
كلمة السر:
ادخلني بشكل آلي عند زيارتي مرة اخرى: 
:: لقد نسيت كلمة السر
مواضيع مماثلة
المواضيع الأخيرة
» Gestion Commercial 2009+keygen
الأربعاء 21 يونيو 2017 - 2:33 من طرف quickinfo31

» أقدم لكم الموقع الرسمي للحاسوب العائلي
السبت 24 يناير 2015 - 15:26 من طرف alecherif

» استرجع جميع ملفاتك المحذوفة من الهارد ديسك او الجوال مع برنامج Back2Life كامل
السبت 17 مايو 2014 - 9:03 من طرف waleedmosa6

» مجلد قوس قزح لسنة 2007
الإثنين 23 سبتمبر 2013 - 0:29 من طرف sabour2013

» رااائع .. برنامج يحوي اكثر من 200 صورة تشريحية لجسم الانسان
السبت 11 مايو 2013 - 21:11 من طرف ahmed60

» جديد برنامج لاصلاح الهاردسك Hard Disk Repair Full N Final
الإثنين 1 أبريل 2013 - 22:15 من طرف saleh omran

» العلاج الطبيعي بواسطة التدليك
الأربعاء 27 مارس 2013 - 21:45 من طرف hamdi

» FULL / برنامج التصميم Ulead COOL 3D Production Studio كاملاً 460 ميجا ISO
الخميس 21 مارس 2013 - 10:48 من طرف naguibameen

» برنامج مفيد يحل جميع مسائل الرياضيات
الإثنين 18 مارس 2013 - 18:30 من طرف med

» ماذا تفعل لو انسكب ماء أو شاي أو قهوة على اللابتوب
الإثنين 11 فبراير 2013 - 11:45 من طرف hamdin6k

تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية
تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية digg  تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية delicious  تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية reddit  تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية stumbleupon  تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية slashdot  تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية yahoo  تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية google  تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية blogmarks  تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية live      

قم بحفض و مشاطرة الرابط منتديات قوس قزح على موقع حفض الصفحات
Google 1+

شاطر | 
 

 تفسير الشيخ محمد الطاهر بن عاشور "التحرير و التنوير" لجزء عم

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
Karim

avatar

عدد الرسائل : 61
العمر : 42
تاريخ التسجيل : 10/02/2008

بطاقة الشخصية
البيانات البيانات: 10
اسم المستعمل اسم المستعمل: 10

مُساهمةموضوع: تفسير الشيخ محمد الطاهر بن عاشور "التحرير و التنوير" لجزء عم   الجمعة 12 يونيو 2009 - 12:31


[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]
fleur 04 fleur 04


تفسير الشيخ محمد الطاهر بن عاشور "التحرير و التنوير" لجزء عمّ


[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]

توازيا مع موضوع [ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط] نضع بين أيديكم إن شاء الله تفسير الشيخ محمد الطاهر بن عاشور "التحرير و التنوير" للسور التي سيتم إن شاء الله حفظها.

التعريف بالتفسير :
وتفسيره المسمى بالتحرير والتنوير اسمه الأصلي : "تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد وتفسير الكتاب المجيد" .
والكتاب له طبعتان : طبعة على هيئة أجزاء متفرقة نشرتها الدار التونسية للنشر ، وطبعة في خمس مجلدات.
قدم له المؤلف بتمهيد واف ذكر فيه مراده من هذا التفسير وقال :
"فجعلت حقًا علي أن أبدي في تفسير القرآن نكتا لم أر من سبقني إليها ، وأن أقف موقف الحكم بين طوائف المفسرين تارة لها وآونة عليها ، فإن الاقتصار على الحديث المعاد ، تعطيل لفيض القرآن الذي ماله من نفاد ، ولقد رأيت الناس حول كلام الأقدمين أحد رجلين : رجل معتكف فيما شاده الأقدمون ، وآخر آخذ بمعولة في هدم ما مضت عليه القرون وفي تلك الحالتين ضر كثير ، وهنالك حالة أخرى ينجبر بها الجناح الكسير ، وهي أن نعمد إلى ما أشاده الأقدمون فنهذبه ونزيده وحاشا أن ننقضه أو نبيده ، علما بأن غمص فضلهم كفران للنعمة ، وجحد مزايا سلفها ليس من حميد خصال الأمة .( )"
وقد ذكر فيها أهم التفاسير في نظره فبدأها بتفسير الكشاف ثم المحرر الوجيز ثم مفاتيح الغيب وتفسير البيضاوي والآلوسي وذكر بعض الحواشي على الكشاف والبيضاوي وتفسير أبي السعود والقرطبي وتقييد الأبي على ابن عرفة وتفسير ابن جرير ودرة التنزيل . ثم قال : ولقصد الاختصار أعرض عن العزو إليها .
فكأنها مراجعه الأساسية .

وقد أتبع كلامه عن تفسيره بعشر مقدمات :
الأولى : في التفسير والتأويل وتعرض فيه لبيان أن التفسير ليس علمًا إلا على وجه التسامح وناقش ذلك بمقدمات منطقية ترسم أبعادًا لمنهجه العقلاني الذي يتضح من خلال مطالعة تفسيره شيئًا فشيئًا .( )
وقد أثنى في تلك المقدمة على تفسيري الكشاف وابن عطية وقال : وكلاهما عضادتا الباب ومرجع من بعدهما من أولي الألباب . ( )

المنهج العام للتفسير )
وتفسير التحرير والتنوير بعتير في الجملة تفسيرا بلاغيا بيانا لغويا عقلانيا لايغفل المأثور ويهتم بالقراءات . وطريقة مؤلفه فيه أن يذكر مقطعا من السورة ثم بشرع في تفسيره مبتدئا بذكر المناسبة ثم لغويات المقطع ثم التفسير الإجمالي ويتعرض فيه للقراءات والفقهيات وغيرها .
وهو يقدم عرضا تفصيليا لما في السورة ويتحدث عن ارتباط آياتها . ( )


الكتاب موجود بموقع إسلام واب لمن أراد الإطلاع عليه بأكمله

ولمزيد الفائدة يسرني أن أقدم لكم هذا الكتاب القيم في ترجمة الشيخ محمد الطاهر بن عاشور رحمه الله وجزاه عن الإسلام والمسلمين خيراً:
الكتاب:
محمد الطاهر ابن عاشور حياته و آثاره
تأليف: د. بلقاسم الغالي
مطبعة: دار ابن حزم
سنة: 1996
260 صفحة
[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]
[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
Karim

avatar

عدد الرسائل : 61
العمر : 42
تاريخ التسجيل : 10/02/2008

بطاقة الشخصية
البيانات البيانات: 10
اسم المستعمل اسم المستعمل: 10

مُساهمةموضوع: سورة الفلق   الجمعة 12 يونيو 2009 - 12:59

بسم الله الرحمن الرحيم

( قل أعوذ برب الفلق ( 1 ) من شر ما خلق ( 2 ) ومن شر غاسق إذا وقب ( 3 ) ومن شر النفاثات في العقد ( 4 ) ومن شر حاسد إذا حسد ( 5 ) )


مقدمة

سمى النبيء - صلى الله عليه وسلم - هذه السورة ( قل أعوذ برب الفلق ) . روى النسائي عن عقبة بن عامر قال : اتبعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو راكب ، فوضعت يدي على قدمه فقلت : أقرئني يا رسول الله سورة هود وسورة يوسف ، فقال : لن تقرأ شيئا أبلغ عند الله من ( قل أعوذ برب الفلق ، وقل أعوذ برب الناس ) .

وهذا ظاهر في أنه أراد سورة ( قل أعوذ برب الفلق ) ; لأنه كان جوابا على قول عقبة : أقرئني سورة هود إلخ ، ولأنه عطف على قوله : ( قل أعوذ برب الفلق ) قوله : ( قل أعوذ برب الناس ) ولم يتم سورة ( قل أعوذ برب الفلق ) .

عنونها البخاري في صحيحه ( سورة قل أعوذ برب الفلق ) بإضافة سورة إلى أول جملة منها .

وجاء في بعض كلام الصحابة تسميتها مع سورة الناس ( المعوذتين ) . روى أبو داود والترمذي وأحمد عن عقبة بن عامر قال : أمرني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن أقرأ بالمعوذات ( بكسر الواو المشددة وبصيغة الجمع بتأويل الآيات المعوذات ) أي : آيات السورتين . وفي رواية ( بالمعوذتين في دبر كل صلاة ) . ولم يذكر أحد من المفسرين أن الواحدة منهما تسمى المعوذة بالإفراد ، وقد سماها ابن عطية سورة المعوذة الأولى ، فإضافة ( سورة ) إلى ( المعوذة ) من إضافة المسمى إلى الاسم ، ووصف السورة بذلك مجاز يجعلها كالذي يدل الخائف على المكان الذي يعصمه من مخيفه أو كالذي يدخله المعاذ .

وسميت في أكثر المصاحف ومعظم كتب التفسير ( سورة الفلق ) .

وفي الإتقان : أنها وسورة الناس تسميان المشقشقتين ( بتقديم الشينين [ ص: 624 ] على القافين ) من قولهم خطيب مشقشق اهـ . ( أي : مسترسل القول تشبيها له بالفحل الكريم من الإبل يهدر بشقشقة ، وهي كاللحم يبرز من فيه إذا غضب ) ولم أحقق وجه وصف المعوذتين بذلك .


وفي تفسير القرطبي والكشاف أنها وسورة الناس تسميان ( المقشقشتين ) ( بتقديم القاف على الشينين ) زاد القرطبي : أي : تبرئان من النفاق . وكذلك قال الطيبي ، فيكون اسم المقشقشة مشتركا بين أربع سور : هذه ، وسورة الناس ، وسورة براءة ، وسورة الكافرون .

واختلف فيها أمكية هي أم مدنية ؟ فقال جابر بن زيد والحسن وعطاء وعكرمة : مكية ، ورواه كريب عن ابن عباس . وقال قتادة : هي مدنية ، ورواه أبو صالح عن ابن عباس .

والأصح أنها مكية ; لأن رواية كريب عن ابن عباس مقبولة بخلاف رواية أبي صالح عن ابن عباس ففيها متكلم .

وقال الواحدي : قال المفسرون إنها نزلت بسبب أن لبيد بن الأعصم سحر النبيء - صلى الله عليه وسلم ، وليس في الصحاح أنها نزلت بهذا السبب ، وبنى صاحب الإتقان عليه ترجيح أن السورة مدنية ، وسنتكلم على قصة لبيد بن الأعصم عند قوله تعالى : ومن شر النفاثات في العقد .

وقد قيل : إن سبب نزولها والسورة بعدها أن قريشا ندبوا ، أي ندبوا من اشتهر بينهم أنه يصيب النبيء - صلى الله عليه وسلم - بعينه ، فأنزل الله المعوذتين ليتعوذ منهم بهما ، ذكره الفخر عن سعيد بن المسيب ولم يسنده .

وعدت العشرين في عداد نزول السور ، نزلت بعد سورة الفيل وقبل سورة الناس .

وعدد آياتها خمس بالاتفاق .

واشتهر عن عبد الله بن مسعود في الصحيح أنه كان ينكر أن تكون المعوذتان من القرآن ، ويقول : إنما أمر رسول الله أن يتعوذ بهما ، أي : ولم يؤمر [ ص: 625 ] بأنهما من القرآن . وقد أجمع أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على القراءة بهما في الصلاة وكتبتا في مصاحفهم ، وصح أن النبيء - صلى الله عليه وسلم - قرأ بهما في صلاته .

والغرض منها تعليم النبيء - صلى الله عليه وسلم - كلمات للتعوذ بالله من شر ما يتقى شره من المخلوقات الشريرة ، والأوقات التي يكثر فيها حدوث الشر ، والأحوال التي يستر أحوال الشر من ورائها لئلا يرمى فاعلوها بتبعاتها ، فعلم الله نبيئه هذه المعوذة ليتعوذ بها ، وقد ثبت أن النبيء - صلى الله عليه وسلم - كان يتعوذ بهذه السورة وأختها ويأمر أصحابه بالتعوذ بهما ، فكان التعوذ بهما من سنة المسلمين .


قل أعوذ برب الفلق ( 1 ) من شر ما خلق ( 2 )

الأمر بالقول يقتضي المحافظة على هذه الألفاظ لأنها التي عينها الله للنبيء - صلى الله عليه وسلم - ليتعوذ بها فإجاباتها مرجوة ، إذ ليس هذا المقول مشتملا على شيء يكلف به أو يعمل حتى يكون المراد : قل لهم كذا كما في قوله : ( قل هو الله أحد ) ، وإنما هو إنشاء معنى في النفس تدل عليه هذه الأقوال الخاصة .

وقد روي عن ابن مسعود في أنه سأل النبيء - صلى الله عليه وسلم - عن المعوذتين فقال : ( قيل لي قل ، فقلت لكم فقولوا ) . يريد بذلك المحافظة على هذه الألفاظ للتعوذ ، وإذ قد كانت من القرآن فالمحافظة على ألفاظها متعينة والتعوذ يحصل بمعناها وبألفاظها حتى كلمة ( قل ) .

والخطاب في ( قل ) للنبيء - صلى الله عليه وسلم - وإذ قد كان قرآنا كان خطاب النبيء - صلى الله عليه وسلم - به يشمل الأمة حيث لا دليل على تخصيصه به ; فلذلك أمر النبيء - صلى الله عليه وسلم - بعض أصحابه بالتعوذ بهذه السورة ، ولذلك أيضا كان يعوذ بهما الحسن والحسين كما ثبت في الصحيح ، فتكون صيغة الأمر الموجهة إلى المخاطب مستعملة في معنيي الخطاب من توجهه إلى معين وهو الأصل ، ومن إرادة كل من يصح خطابه وهو [ ص: 626 ] طريق من طرق الخطاب تدل على قصده القرائن ، فيكون من استعمال المشترك في معنييه .

واستعمال صيغة التكلم في فعل ( أعوذ ) يتبع ما يراد بصيغة الخطاب في فعل ( قل ) فهو مأمور به لكل من يريد التعوذ بها .

وأما تعويذ قارئها غيره بها كما ورد أن النبيء - صلى الله عليه وسلم - كان يعوذ بالمعوذتين الحسن والحسين . وما روي عن عائشة قالت : ( إن النبيء - صلى الله عليه وسلم - كان ينفث على نفسه في المرض الذي مات فيه بالمعوذات ، فلما ثقل كنت أنفث عليه بهن وأمسح بيد نفسه لبركتها ) ; فلذلك على نية النيابة عمن لا يحسن أن يعوذ نفسه بنفسه بتلك الكلمات لعجز أو صغر أو عدم حفظ .

والعوذ : اللجأ إلى شيء يقي من يلجأ إليه ما يخافه ، يقال : عاذ بفلان ، وعاذ بحصن ، ويقال : استعاذ ، إذا سأل غيره أن يعيذه قال تعالى : فاستعذ بالله إنه سميع عليم . وعاذ من كذا ، إذا صار إلى ما يعيذه منه . قال تعالى : فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم .

والفلق : الصبح ، وهو فعل بمعنى مفعول مثل الصمد ; لأن الليل شبه بشيء مغلق ينفلق عن الصبح ، وحقيقة الفلق : الانشقاق عن باطن شيء ، واستعير لظهور الصبح بعد ظلمة الليل . وهذا مثل استعارة الإخراج لظهور النور بعد الظلام في قوله تعالى : وأغطش ليلها وأخرج ضحاها ، واستعارة السلخ له في قوله تعالى : وآية لهم الليل نسلخ منه النهار .

ورب الفلق : هو الله ; لأنه الذي خلق أسباب ظهور الصبح ، وتخصيص وصف الله بأنه رب الفلق دون وصف آخر ; لأن شرا كثيرا يحدث في الليل من لصوص ، وسباع ، وذوات سموم ، وتعذر السير ، وعسر النجدة ، وبعد الاستغاثة واشتداد آلام المرضى ، حتى ظن بعض أهل الضلالة الليل إله الشر .

والمعنى : أعوذ بفالق الصبح منجاة من شرور الليل ، فإنه قادر على أن ينجيني في الليل من الشر كما أنجى أهل الأرض كلهم بأن خلق لهم الصبح ، فوصف الله بالصفة التي فيها تمهيد للإجابة ..


ومن شر غاسق إذا وقب ( 3 )

عطف أشياء خاصة هي مما شمله عموم من شر ما خلق ، وهي ثلاثة أنواع من أنواع الشرور :
أحدهما : وقت يغلب وقوع الشر فيه وهو الليل .
والثاني : صنف من الناس أقيمت صناعتهم على إرادة الشر بالغير .
والثالث : صنف من الناس ذو خلق من شأنه أن يبعث على إلحاق الأذى بمن تعلق به .

وأعيدت كلمة من شر بعد حرف العطف في هذه الجملة ، وفي الجملتين المعطوفتين عليها مع أن حرف العطف مغن عن إعادة العامل قصدا لتأكيد الدعاء تعرضا للإجابة ، وهذا من الابتهال فيناسبه الإطناب .


والغاسق : وصف الليل إذا اشتدت ظلمته ، يقال : غسق الليل يغسق ، إذا أظلم ، قال تعالى : إلى غسق الليل . فالغاسق صفة لموصوف محذوف لظهوره من معنى وصفه مثل الجواري في قوله تعالى : ومن آياته الجواري في البحر وتنكير غاسق للجنس ; لأن المراد *** الليل .

وتنكير ( غاسق ) في مقام الدعاء يراد به العموم ; لأن مقام الدعاء يناسب التعميم . ومنه قول الحريري في المقامة الخامسة : " يا أهل ذا المعنى وقيتم ضرا " أي : وقيتم كل ضر .

وإضافة الشر إلى غاسق من إضافة الاسم إلى زمانه على معنى ( في ) كقوله تعالى : بل مكر الليل والنهار .

والليل : تكثر فيه حوادث السوء من اللصوص والسباع والهوام كما تقدم آنفا .

وتقييد ذلك بظرف إذا وقب أي : إذا اشتدت ظلمته ; لأن ذلك وقت يتحينه الشطار وأصحاب الدعارة والعيث ، لتحقق غلبة الغفلة والنوم على الناس فيه ، يقال : أغدر الليل ; لأنه إذا اشتد ظلامه كثر الغدر فيه ، فعبر عن ذلك بأنه أغدر ، أي : صار ذا غدر على طريق المجاز العقلي .

ومعنى ( وقب ) دخل وتغلغل في الشيء ، ومنه الوقبة : اسم النقرة في الصخرة يجتمع فيها الماء ، ووقبت الشمس غابت ، خص بالتعوذ أشد أوقات الليل توقعا لحصول المكروه .


ومن شر النفاثات في العقد ( 4 )

هذا النوع الثاني من الأنواع الخاصة المعطوفة على العام من قوله : من شر ما خلق . وعطف شر النفاثات في العقد على شر الليل ; لأن الليل وقت يتحين فيه السحرة إجراء شعوذتهم لئلا يطلع عليهم أحد .

والنفث : نفخ مع تحريك اللسان بدون إخراج ريق ، فهو أقل من التفل ، يفعله السحرة إذا وضعوا علاج سحرهم في شيء وعقدوا عليه عقدا ثم نفثوا عليها .

فالمراد بـ النفاثات في العقد النساء الساحرات ، وإنما جيء بصفة المؤنث ; لأن الغالب عند العرب أن يتعاطى السحر النساء ; لأن نساءهم لا شغل لهن بعد تهيئة لوازم الطعام والماء والنظافة ; فلذلك يكثر انكبابهن على مثل هاته السفاسف من السحر والتكهن ونحو ذلك ، فالأوهام الباطلة تتفشى بينهن ، وكان العرب يزعمون أن الغول ساحرة من الجن . وورد في خبر هجرة الحبشة أن عمارة بن الوليد بن المغيرة اتهم بزوجة النجاشي ، وأن النجاشي دعا له السواحر فنفخن في إحليله فصار مسلوب العقل هائما على وجهه ولحق بالوحوش . والعقد : جمع عقدة وهي ربط في خيط أو وتر يزعم السحرة أنه سحر المسحور يستمر ما دامت تلك العقدة معقودة ، ولذلك يخافون من حلها فيدفنونها أو يخبئونها في محل لا يهتدى إليه . أمر الله رسوله - صلى الله عليه وسلم - بالاستعاذة من شر السحرة ; لأنه ضمن له أن لا يلحقه شر السحرة ، وذلك إبطال لقول المشركين في أكاذيبهم إنه مسحور ، قال تعالى : وقال الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا .

وجملة القول هنا : أنه لما كان الأصح أن السورة مكية فإن النبيء - صلى الله عليه وسلم - مأمون من أن يصيبه شر النفاثات ; لأن الله أعاذه منها .

[ ص: 629 ] وأما السحر فقد بسطنا القول فيه عند قوله تعالى : يعلمون الناس السحر في سورة البقرة .

وإنما جعلت الاستعاذة من النفاثات لا من النفث ، فلم يقل : إذا نفثن في العقد ، للإشارة إلى أن نفثهن في العقد ليس بشيء يجلب ضرا بذاته ، وإنما يجلب الضر النافثات وهن متعاطيات السحر ; لأن الساحر يحرص على أن لا يترك شيئا مما يحقق له ما يعمله لأجله إلا احتال على إيصاله إليه ، فربما وضع له في طعامه أو شرابه عناصر مفسدة للعقل أو مهلكة بقصد أو غير قصد ، أو قاذورات يفسد اختلاطها بالجسد بعض عناصر انتظام الجسم يختل بها نشاطه أو إرادته ، وربما أغرى به من يغتاله أو من يتجسس على أحواله ليري لمن يسألونه السحر أن سحره لا يختلف ولا يخطئ .

وتعريف ( النفاثات ) تعريف الجنس وهو في معنى النكرة لا تفاوت في المعنى بينه وبين قوله : ومن شر غاسق وقوله : ومن شر حاسد ، وإنما أوثر لفظ النفاثات بالتعريف ; لأن التعريف في مثله للإشارة إلى أنه حقيقة معلومة للسامع مثل التعريف في قولهم ( أرسلها العراك ) كما تقدم في قوله تعالى : الحمد لله في سورة الفاتحة .

وتعريف ( النفاثات ) باللام إشارة إلى أنهن معهودات بين العرب .


ومن شر حاسد إذا حسد ( 5 )

عطف شر الحاسد على شر الساحر المعطوف على شر الليل ، لمناسبة بينه وبين المعطوف عليه مباشرة ، وبينه وبين المعطوف عليه بواسطته ، فإن مما يدعو الحاسد إلى أذى المحسود أن يتطلب حصول أذاه لتوهم أن السحر يزيل النعمة التي حسده عليها ، ولأن ثوران وجدان الجسد يكثر في وقت الليل ; لأن الليل وقت الخلوة وخطور الخواطر النفسية والتفكر في الأحوال الحافة بالحاسد والمحسود .

والحسد : إحساس نفساني مركب من استحسان نعمة في الغير مع تمني زوالها عنه لأجل غيرة على اختصاص الغير بتلك الحالة أو على مشاركته الحاسد فيها . وقد يطلق اسم الحسد على الغبطة مجازا .

والغبطة : تمني المرء أن يكون له من الخير مثل ما لمن يروق حاله في نظره ، وهو محمل الحديث الصحيح : لا حسد إلا في اثنتين أي : لا غبطة ، أي : لا تحقق الغبطة إلا في تينك الخصلتين ، وقد بين شهاب الدين القرافي الفرق بين الحسد والغبطة في الفرق الثامن والخمسين والمائتين .

فقد يغلب الحسد صبر الحاسد وأناته فيحمله على إيصال الأذى للمحسود بإتلاف أسباب نعمته أو إهلاكها رأسا . وقد كان الحسد أول أسباب الجنايات في الدنيا ، إذ حسد أحد ابني آدم أخاه على أن قبل قربانه ولم يقبل قربان الآخر ، كما قصه الله تعالى في سورة العقود .

وتقييد الاستعاذة من شره بوقت إذا حسد لأنه حينئذ يندفع إلى عمل الشر بالمحسود حين يجيش الحسد في نفسه فتتحرك له الحيل والنوايا لإلحاق الضر به . والمراد من الحسد في قوله : إذا حسد حسد خاص وهو البالغ أشد حقيقته فلا إشكال في تقييد الحسد بـ ( حسد ) وذلك قول عمرو بن معديكرب :


وبدت لميس كأنها بدر السماء إذا تبدى



أي : تجلى واضحا منيرا .

ولما كان الحسد يستلزم كون المحسود في حالة حسنة ، كثر في كلام العرب الكناية عن السيد بالمحسود ، وبعكسه الكناية عن سيئ الحال بالحاسد ، وعليه قول أبي الأسود :


حسدوا الفتى أن لم ينالوا سعيه فالقوم أعداء له وخصوم
كضرائر الحسناء قلن لوجهها حسدا وبغضا إنه لمشوم



وقول بشار بن برد :


إن يحسدوني فإني غير لائمهم قبلي من الناس أهل الفضل قد حسدوا
فدام لي ولهم ما بي وما بهم ومات أكثرنا غيظا بما يجد
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
Karim

avatar

عدد الرسائل : 61
العمر : 42
تاريخ التسجيل : 10/02/2008

بطاقة الشخصية
البيانات البيانات: 10
اسم المستعمل اسم المستعمل: 10

مُساهمةموضوع: سورة الناس   الجمعة 12 يونيو 2009 - 13:01

قل أعوذ برب الناس ( 1 ) ملك الناس ( 2 ) إله الناس ( 3 ) من شر الوسواس الخناس ( 4 ) الذي يوسوس في صدور الناس ( 5 ) من الجنة والناس ( 6 )



مقدمة



تقدم عند تفسير أول سورة الفلق أن النبيء - صلى الله عليه وسلم - سمى سورة الناس ( قل أعوذ برب الناس ) .

وتقدم في سورة الفلق أنها وسورة الناس تسميان ( المعوذتين ) ، و ( المشقشقتين ) بتقديم الشين على القافين ، وتقدم أيضا أن الزمخشري والقرطبي ذكرا أنهما تسميان ( المقشقشتين ) بتقديم القافين على الشينين ، وعنونها ابن عطية في المحرر الوجيز ( سورة المعوذة الثانية ) بإضافة ( سورة ) إلى ( المعوذة ) من إضافة الموصوف إلى الصفة . وعنونهما الترمذي ( المعوذتين ) ، وعنونها البخاري في صحيحه ( سورة قل أعوذ برب الناس ) .

وفي مصاحفنا القديمة والحديثة المغربية والمشرقية تسمية هذه السورة ( سورة الناس ) وكذلك أكثر كتب التفسير .

وهي مكية في قول الذين قالوا في سورة الفلق إنها مكية ، ومدنية في قول الذين قالوا في سورة الفلق إنها مدنية . والصحيح أنهما نزلتا متعاقبتين ، فالخلاف في إحداهما كالخلاف في الأخرى .

وقال في الإتقان : إن سبب نزولها قصة سحر لبيد بن الأعصم ، وأنها نزلت مع ( سورة الفلق ) وقد سبقه على ذلك القرطبي والواحدي ، وقد علمت تزييفه في سورة الفلق .

وعلى الصحيح من أنها مكية فقد عدت الحادية والعشرين من السور ، نزلت عقب سورة الفلق وقبل سورة الإخلاص .

وعدد آيها ست آيات ، وذكر في الإتقان قولا : إنها سبع آيات وليس معزوا لأهل العدد .

إرشاد النبيء - صلى الله عليه وسلم - لأن يتعوذ بالله ربه من شر الوسواس الذي يحاول إفساد عمل النبيء - صلى الله عليه وسلم ، وإفساد إرشاده ويلقي في نفوس الناس الإعراض عن دعوته . وفي هذا الأمر إيماء إلى أن الله تعالى معيذه من ذلك فعاصمه في نفسه من تسلط وسوسة الوسواس عليه ، ومتمم دعوته حتى تعم في الناس . ويتبع ذلك تعليم المسلمين التعوذ بذلك ، فيكون لهم من هذا التعوذ ما هو حظهم ، ومن قابلية التعرض إلى الوسواس ، ومن السلامة منه بمقدار مراتبهم في الزلفى .



قل أعوذ برب الناس ( 1 ) ملك الناس ( 2 ) إله الناس ( 3 )

شابهت فاتحتها فاتحة سورة الفلق إلا أن سورة الفلق تعوذ من شرور المخلوقات من حيوان وناس ، وسورة الناس تعوذ من شرور مخلوقات خفية وهي الشياطين .

والقول في الأمر بالقول ، وفي المقول ، وفي أن الخطاب للنبيء - صلى الله عليه وسلم ، والمقصود شموله أمته ، كالقول في نظيره في سورة الفلق سواء .

وعرف ( رب ) بإضافته إلى الناس دون غيرهم من المربوبين ; لأن الاستعاذة من شر يلقيه الشيطان في قلوب الناس فيضلون ويضلون ، فالشر المستعاذ منه مصبه إلى الناس ، فناسب أن يستحضر المستعاذ إليه بعنوان أنه رب من يلقون الشر ومن يلقى إليهم ليصرف هؤلاء ، ويدفع عن الآخرين كما يقال لمولى العبد : يا مولى فلان كف عني عبدك .

وقد رتبت أوصاف الله بالنسبة إلى الناس ترتيبا مدرجا ، فإن الله خالقهم ، ثم هم غير خارجين عن حكمه إذا شاء أن يتصرف في شئونهم ، ثم زيد بيانا بوصف [ ص: 633 ] إلهيته لهم ليتبين أن ربوبيته لهم وحاكميته فيهم ليست كربوبية بعضهم بعضا وحاكمية بعضهم في بعض .

وفي هذا الترتيب إشعار أيضا بمراتب النظر في معرفة الله تعالى ، فإن الناظر يعلن بادئ ذي بدء بأن له ربا بسبب ما يشعر به من وجود نفسه ونعمة تركيبه ، ثم يتغلغل في النظر فيشعر بأن ربه هو الملك الحق الغني عن الخلق ، ثم يعلم أنه المستحق للعبادة فهو إله الناس كلهم .

و ملك الناس عطف بيان من رب الناس وكذلك إله الناس فتكرير لفظ الناس دون اكتفاء بضميره ; لأن عطف البيان يقتضي الإظهار ليكون الاسم المبين ( بكسر الياء ) مستقلا بنفسه ; لأن عطف البيان بمنزلة علم للاسم المبين ( بالفتح ) .

والناس : اسم جمع للبشر جميعهم أو طائفة منهم ولا يطلق على غيرهم على التحقيق .


من شر الوسواس الخناس ( 4 )

والوسواس : المتكلم بالوسوسة ، وهي الكلام الخفي . قال رؤبة يصف صائدا في قترته :

وسوس يدعو مخلصا رب الفلق

فالوسواس اسم فاعل ، ويطلق الوسواس بفتح الواو مجازا على ما يخطر بنفس المرء من الخواطر التي يتوهمها مثل كلام يكلم به نفسه . قال عروة بن أذينة :


وإذا وجدت لها وساوس سلوة شفع الفؤاد إلى الضمير فسلها

والتعريف في ( الوسواس ) تعريف الجنس ، وإطلاق ( الوسواس ) على معنييه المجازي والحقيقي يشمل الشياطين التي تلقي في أنفس الناس الخواطر الشريرة قال تعالى : فوسوس إليه الشيطان ، ويشمل الوسواس كل من يتكلم كلاما خفيا من الناس ، وهم أصحاب المكائد والمؤامرات المقصود منها إلحاق الأذى من اغتيال نفوس أو سرقة أموال أو إغراء بالضلال والإعراض عن الهدى ; لأن شأن مذاكرة هؤلاء بعضهم مع بعض أن تكون سرا لئلا يطلع عليها من يريدون الإيقاع به ، وهم الذين يتربصون برسول الله - صلى الله عليه وسلم - الدوائر ويغرون الناس بأذيته .

والخناس : الشديد الخنس والكثيره . والمراد أنه صار عادة له . والخنس والخنوس : الاختفاء . والشيطان يلقب بـ ( الخناس ) لأنه يتصل بعقل الإنسان وعزمه من غير شعور منه فكأنه خنس فيه ، وأهل المكر والكيد والتختل خناسون ; لأنهم يتحينون غفلات الناس ويتسترون بأنواع الحيل لكيلا يشعر الناس بهم .

فالتعريف في ( الخناس ) على وزن تعريف موصوفه ، ولأن خواطر الشر يهم بها صاحبها فيطرق ويتردد ويخاف تبعاتها وتزجره النفس اللوامة ، أو يزعه وازع الدين أو الحياء أو خوف العقاب عند الله أو عند الناس ثم تعاوده حتى يطمئن لها ويرتاض بها فيصمم على فعلها فيقترفها ، فكأن الشيطان يبدو له ثم يختفي ، ثم يبدو ثم يختفي حتى يتمكن من تدليته بغرور .


الذي يوسوس في صدور الناس ( 5 )

ووصف الوسواس الخناس بـ الذي يوسوس في صدور الناس لتقريب تصوير الوسوسة كي يتقيها المرء إذا اعترته لخفائها ، وذلك بأن بين أن مكان إلقاء الوسوسة هو صدور الناس وبواطنهم ، فعبر بها عن الإحساس النفسي كما قال تعالى : ولكن تعمى القلوب التي في الصدور وقال تعالى : إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه . وقال النبيء - صلى الله عليه وسلم : الإثم ما حاك في الصدر وتردد في القلب فغاية الوسواس من وسوسته بثها في نفس المغرور والمشبوك في فخه ، فوسوسة الشياطين اتصالات جاذبية النفوس نحو داعية الشياطين وقد قربها النبيء - صلى الله عليه وسلم - في آثار كثيرة بأنواع من التقريب منها ( أنها كالخراطيم يمدها الشيطان إلى قلب الإنسان ) وشبهها مرة بالنفث ، ومرة بالإبساس . وفي الحديث ( إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم ، وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما ) .

وإطلاق فعل ( يوسوس ) على هذا العمل الشيطاني مجاز ، إذ ليس للشيطان كلام في باطن الإنسان . وأما إطلاقه على تسويل الإنسان لغيره عمل السوء فهو حقيقة . وتعلق المجرور من قوله : في صدور الناس بفعل يوسوس بالنسبة لوسوسة الشيطان تعلق حقيقي ، وأما بالنسبة لوسوسة الناس فهو مجاز عقلي ; لأن وسوسة الناس سبب لوقوع أثرها في الصدور فكان في كل من فعل ( يوسوس ) ومتعلقه استعمال اللفظين في الحقيقة والمجاز .


من الجنة والناس ( 6 )

و ( من ) في قوله : من الجنة والناس بيانية بينت الذي يوسوس في صدور الناس بأنه *** ينحل باعتبار إرادة حقيقته ومجازه إلى صنفين : صنف من الجنة وهو أصله ، وصنف من الناس وما هو إلا تبع وولي للصنف الأول ، وجمع الله هذين الصنفين في قوله : ( وكذلك جعلنا لكل نبيء عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ) .

ووجه الحاجة إلى هذا البيان خفاء ما ينجر من وسوسة نوع الإنسان ; لأن الأمم اعتادوا أن يحذرهم المصلحون من وسوسة الشيطان ، وربما لا يخطر بالبال أن من الوسواس ما هو شر من وسواس الشياطين ، وهو وسوسة أهل نوعهم وهو أشد خطرا ، وهم بالتعوذ منهم أجدر ، لأنهم منهم أقرب وهو عليهم أخطر ، وأنهم في وسائل الضر أدخل وأقدر .

ولا يستقيم أن يكون ( من ) بيانا للناس ، إذ لا يطلق اسم الناس على ما يشمل الجن ، ومن زعم ذلك فقد أبعد .

وقدم ( الجنة ) على ( الناس ) هنا لأنهم أصل الوسواس كما علمت بخلاف تقديم الإنس على الجن في قوله تعالى : ( وكذلك جعلنا لكل نبيء عدوا شياطين الإنس والجن ) لأن خبثاء الناس أشد مخالطة للأنبياء من الشياطين ; لأن الله عصم أنبياءه من تسلط الشياطين على نفوسهم . قال تعالى : إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين فإن الله أراد إبلاغ وحيه لأنبيائه ، فزكى نفوسهم من خبث وسوسة الشياطين ، ولم يعصمهم من لحاق ضر الناس بهم والكيد لهم لضعف خطره ، قال تعالى : وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين ولكنه ضمن لرسله النجاة من كل ما يقطع إبلاغ الرسالة إلى أن يتم مراد الله .

والجنة : اسم جمع جني بياء النسب إلى نوع الجن ، فالجني الواحد من نوع الجن ، كما يقال : إنسي للواحد من الإنس .

وتكرير كلمة ( الناس ) في هذه الآيات المرتين الأوليين باعتبار معنى واحد إظهار في مقام الإضمار لقصد تأكيد ربوبية الله تعالى وملكه وإلهيته للناس كلهم [ ص: 636 ] كقوله تعالى : يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب .

وأما تكريره المرة الثالثة بقوله : في صدور الناس فهو إظهار لأجل بعد المعاد .


وأما تكريره المرة الرابعة بقوله : من الجنة والناس فلأنه بيان لأحد صنفي الذي يوسوس في صدور الناس ، وذلك غير ماصدق كلمة ( الناس ) في المرات السابقة .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
Karim

avatar

عدد الرسائل : 61
العمر : 42
تاريخ التسجيل : 10/02/2008

بطاقة الشخصية
البيانات البيانات: 10
اسم المستعمل اسم المستعمل: 10

مُساهمةموضوع: سورة الإخلاص   الجمعة 12 يونيو 2009 - 13:10

بسم الله الرحمن الرحيم

( قل هو الله أحد ( 1 ) الله الصمد ( 2 ) لم يلد ولم يولد ( 3 ) ولم يكن له كفوا أحد ( 4 ) )


مقدمة


المشهور في تسميتها في عهد النبيء - صلى الله عليه وسلم - وفيما جرى من لفظه وفي أكثر ما روي عن الصحابة تسميتها ( سورة قل هو الله أحد ) .

روى الترمذي عن أبي هريرة ، وروى أحمد عن أبي مسعود الأنصاري وعن أم كلثوم بنت عقبة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ( قل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن ) وهو ظاهر في أنه أراد تسميتها بتلك الجملة لأجل تأنيث الضمير من قوله ( تعدل ) فإنه على تأويلها بمعنى السورة .

وقد روي عن جمع من الصحابة ما فيه تسميتها بذلك ، فذلك هو الاسم الوارد في السنة .

ويؤخذ من حديث البخاري عن إبراهيم عن أبي سعيد الخدري ما يدل على أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ( الله الواحد الصمد ) ثلث القرآن فذكر ألفاظا تخالف ما تقرأ به ، ومحمله على إرادة التسمية . وذكر القرطبي أن رجلا لم يسمه قرأ كذلك والناس يستمعون وادعى أن ما قرأ به هو الصواب وقد ذمه القرطبي وسبه .

وسميت في أكثر المصاحف وفي معظم التفاسير وفي جامع الترمذي ( سورة الإخلاص ) واشتهر هذا الاسم لاختصاره وجمعه معاني هذه السورة ; لأن فيها تعليم الناس إخلاص العبادة لله تعالى ، أي : سلامة الاعتقاد من الإشراك بالله غيره في الإلهية .

وسميت في بعض المصاحف التونسية سورة التوحيد لأنها تشتمل على إثبات أنه تعالى واحد .

وفي الإتقان أنها تسمى سورة الأساس لاشتمالها على توحيد الله وهو [ ص: 610 ] أساس الإسلام . وفي الكشاف ( روي عن أبي وأنس عن النبيء - صلى الله عليه وسلم - أست السماوات السبع والأرضون السبع على ( قل هو الله أحد ) . يعني : ما خلقت إلا لتكون دلائل على توحيد الله ومعرفة صفاته .

وذكر في الكشاف : أنها وسورة الكافرون تسميان المقشقشتين ، أي : المبرئتين من الشرك ومن النفاق .

وسماها البقاعي في نظم الدرر سورة الصمد ، وهو من الأسماء التي جمعها الفخر . وقد عقد الفخر في التفسير الكبير فصلا لأسماء هذه السورة فذكر لها عشرين اسما بإضافة عنوان سورة إلى كل اسم منها ولم يذكر أسانيدها ، فعليك بتتبعها على تفاوت فيها وهي : التفريد ، والتجريد ; ( لأنه لم يذكر فيها سوى صفاته السلبية التي هي صفات الجلال ) ، والتوحيد ( كذلك ) ، والإخلاص ( لما ذكرناه آنفا ) ، والنجاة ( لأنها تنجي من الكفر في الدنيا ومن النار في الآخرة ) ، والولاية ; ( لأن من عرف الله بوحدانيته فهو من أوليائه المؤمنين الذين لا يتولون غير الله ) ، والنسبة ( لما روي أنها نزلت لما قال المشركون : انسب لنا ربك ، كما سيأتي ) ، والمعرفة ( لأنها أحاطت بالصفات التي لا تتم معرفة الله إلا بمعرفتها ) ، والجمال ( لأنها جمعت أصول صفات الله وهي أجمل الصفات وأكملها ، ولما روي أن النبيء - صلى الله عليه وسلم - قال : إن الله جميل يحب الجمال فسألوه عن ذلك فقال : أحد صمد لم يلد ولم يولد ) . والمقشقشة ( يقال : قشقش الدواء الجرب إذا أبرأه لأنها تقشقش من الشرك ، وقد تقدم آنفا أنه اسم لسورة الكافرون أيضا ) ، والمعوذة ( لقول النبيء - صلى الله عليه وسلم - لعثمان بن مظعون وهو مريض فعوذه بها وبالسورتين اللتين بعدها وقال له : تعوذ بها ) . والصمد ( لأن هذا اللفظ خص بها ) ، والأساس ( لأنها أساس العقيدة الإسلامية ) ، والمانعة ( لما روي أنها تمنع عذاب القبر ولفحات النار ) والمحضر ; ( لأن الملائكة تحضر لاستماعها إذا قرئت ) ، و المنفرة ( لأن الشيطان ينفر عند قراءتها ) ، والبراءة ( لأنها تبرئ من الشرك ) ، والمذكرة ( لأنها تذكر خالص التوحيد الذي هو مودع في الفطرة ) ، والنور ( لما روي أن نور القرآن قل هو الله أحد ) ، والأمان ( لأن من اعتقد ما فيها أمن من العذاب .

[ ص: 611 ] وبضميمة اسمها المشهور ( قل هو الله أحد ) تبلغ أسماؤها اثنين وعشرين ، وقال الفيروز آبادي في بصائر التمييز : إنها تسمى الشافية فتبلغ واحدا وعشرين اسما .

وهي مكية في قول الجمهور ، وقال قتادة والضحاك والسدي وأبو العالية والقرظي : هي مدنية ونسب كلا القولين إلى ابن عباس .

ومنشأ هذا الخلاف الاختلاف في سبب نزولها ، فروى الترمذي عن أبي بن كعب ، وروى عبيد العطار عن ابن مسعود ، وأبو يعلى عن جابر بن عبد الله أن قريشا قالوا للنبيء - صلى الله عليه وسلم : انسب لنا ربك . فنزلت قل هو الله أحد إلى آخرها ، فتكون مكية .

وروى أبو صالح عن ابن عباس أن عامر بن الطفيل وأربد بن ربيعة أخا لبيد أتيا النبيء - صلى الله عليه وسلم - فقال عامر : إلام تدعونا ؟ قال : إلى الله ، قال : صفه لنا أمن ذهب هو أم من فضة أم من حديد أم من خشب ؟ ( يحسب لجهله أن الإله صنم كأصنامهم من معدن أو خشب أو حجارة ) فنزلت هذه السورة ، فتكون مدنية لأنهما ما أتياه إلا بعد الهجرة . وقال الواحدي : إن أحبار اليهود ( منهم حيي بن أخطب وكعب بن الأشرف قالوا للنبيء - صلى الله عليه وسلم : صف لنا ربك لعلنا نؤمن بك ، فنزلت .

والصحيح أنها مكية ، فإنها جمعت أصل التوحيد وهو الأكثر فيما نزل من القرآن بمكة ، ولعل تأويل من قال : إنها نزلت حينما سأل عامر بن الطفيل وأربد ، أو حينما سأل أحبار اليهود أن النبيء - صلى الله عليه وسلم - قرأ عليهم هذه السورة ، فظنها الراوي من الأنصار نزلت ساعتئذ ، أو لم يضبط الرواة عنهم عبارتهم تمام الضبط .

قال في الإتقان : وجمع بعضهم بين الروايتين بتكرر نزولها ، ثم ظهر لي ترجيح أنها مدنية كما بينته في أسباب النزول اهـ .

وعلى الأصح من أنها مكية عدت السورة الثانية والعشرين في عداد نزول السور نزلت بعد سورة الناس وقبل سورة النجم .

وآياتها عند أهل العدد بالمدينة والكوفة والبصرة أربع ، وعند أهل مكة والشام خمس باعتبار لم يلد آية ولم يولد آية .


أغراض السورة

إثبات وحدانية الله تعالى .

وأنه لا يقصد في الحوائج غيره وتنزيهه عن سمات المحدثات وإبطال أن يكون له ابن .

وإبطال أن يكون المولود إلها مثل عيسى عليه السلام .

والأحاديث في فضائلها كثيرة وقد صح أنها تعدل ثلث القرآن . وتأويل هذا الحديث مذكور في شرح الموطأ والصحيحين .


قل هو الله أحد ( 1 )

افتتاح هذه السورة بالأمر بالقول لإظهار العناية بما بعد فعل القول كما علمت ذلك عند قوله تعالى : قل يا أيها الكافرون .

ولذلك الأمر في هذه السورة فائدة أخرى ، وهي أنها نزلت على سبب قول المشركين : انسب لنا ربك ، فكانت جوابا عن سؤالهم فلذلك قيل له ( قل ) كما قال تعالى : قل الروح من أمر ربي فكان للأمر بفعل ( قل ) فائدتان .

وضمير ( هو ) ضمير الشأن لإفادة الاهتمام بالجملة التي بعده ، وإذا سمعه الذين سألوا تطلعوا إلى ما بعده .

ويجوز أن يكون ( هو ) أيضا عائدا إلى الرب في سؤال المشركين حين قالوا : انسب لنا ربك .

ومن العلماء من عد ضمير ( هو ) في هذه السورة اسما من أسماء الله الحسنى ، وهي طريقة صوفية درج عليها فخر الدين الرازي في شرح الأسماء الحسنى نقله [ ص: 613 ] ابن عرفة عنه في تفسيره ، وذكر الفخر ذلك في مفاتيح الغيب ، ولا بد من المزج بين كلاميه .

وحاصلهما قوله : قل هو الله أحد فيها ثلاثة أسماء لله تعالى تنبيها على ثلاثة مقامات .

الأول : مقام السابقين المقربين الناظرين إلى حقائق الأشياء من حيث هي هي ، فلا جرم ما رأوا موجودا سوى الله ; لأنه هو الذي لأجله يجب وجوده فما سوى الله عندهم معدوم ، فقوله ( هو ) إشارة مطلقة . ولما كان المشار إليه معينا انصرف ذلك المطلق إلى ذلك المعين فكان قوله ( هو ) إشارة من هؤلاء المقربين إلى الله فلم يفتقروا في تلك الإشارة إلى مميز ، فكانت لفظة ( هو ) كافية في حصول العرفان التام لهؤلاء . المقام الثاني مقام أصحاب اليمين المقتصدين فهم شاهدوا الحق موجودا وشاهدوا الممكنات موجودة فحصلت كثرة في الموجودات فلم تكن لفظة ( هو ) تامة الإفادة في حقهم فافتقروا معها إلى مميز فقيل لأجلهم هو الله .

والمقام الثالث مقام أصحاب الشمال وهم الذين يجوزون تعدد الآلهة فقرن لفظ ( أحد ) بقوله : هو الله إبطالا لمقالتهم اهـ .


فاسمه تعالى العلم ابتدئ به قبل إجراء الأخبار عليه ليكون ذلك طريق استحضار صفاته كلها عند التخاطب بين المسلمين وعد المحاجة بينهم وبين المشركين ، فإن هذا الاسم معروف عند جميع العرب ، فمسماه لا نزاع في وجوده ، ولكنهم كانوا يصفونه بصفات تنزه عنها .

أما ( أحد ) فاسم بمعنى ( واحد ) . وأصل همزته الواو ، فيقال : وحد كما يقال أحد ، قلبت الواو همزة على غير قياس لأنها مفتوحة ( بخلاف قلب واو وجوه ) ومعناه منفرد ، قال النابغة :



كأن رحلي وقد زال النهار بنا بذي الجليل على مستأنس وحد



أي : كأني وضعت الرجل على ثور وحش أحس بإنسي وهو منفرد عن قطيعه .

وهو صفة مشبهة مثل حسن ، يقال : وحد مثل كرم ، ووحد مثل فرح . [ ص: 614 ] وصيغة الصفة المشبهة تفيد تمكن الوصف في موصوفها بأنه ذاتي له ، فلذلك أوثر ( أحد ) هنا على ( واحد ) ; لأن ( واحدا ) اسم فاعل لا يفيد التمكن . فـ ( واحد ) و ( أحد ) وصفان مصوغان بالتصريف لمادة متحدة وهي مادة الوحدة يعني : التفرد .

هذا هو أصل إطلاقه وتفرعت عنه إطلاقات صارت حقائق للفظ ( أحد ) ، أشهرها أنه يستعمل اسما بمعنى إنسان في خصوص النفي نحو قوله تعالى : لا نفرق بين أحد من رسله في البقرة ، وقوله : ولا أشرك بربي أحدا في الكهف وكذلك إطلاقه على العدد في الحساب نحو : أحد عشر ، وأحد وعشرين ، ومؤنثه إحدى ، ومن العلماء من خلط بين ( واحد ) وبين ( أحد ) فوقع في ارتباك .

فوصف الله بأنه أحد معناه : أنه منفرد بالحقيقة التي لوحظت في اسمه العلم وهي الإلهية المعروفة ، فإذا قيل الله أحد فالمراد أنه منفرد بالإلهية . وإذا قيل الله واحد ، فالمراد أنه واحد لا متعدد فمن دونه ليس بإله . ومآل الوصفين إلى معنى نفي الشريك له تعالى في إلهيته .

فلما أريد في صدر البعثة إثبات الوحدة الكاملة لله تعليما للناس كلهم وإبطالا لعقيدة الشرك وصف الله في هذه السورة بـ ( أحد ) ولم يوصف بـ ( واحد ) ; لأن الصفة المشبهة نهاية ما يمكن به تقريب معنى وحدة الله تعالى إلى عقول أهل اللسان العربي المبين .

وقال ابن سينا في تفسير له لهذه السورة : إن ( أحدا ) دال على أنه تعالى واحد من جميع الوجوه وأنه لا كثرة هناك أصلا ، لا كثرة معنوية وهي كثرة المقومات والأجناس والفصول ، ولا كثرة حسية وهي كثرة الأجزاء الخارجية المتمايزة عقلا كما في المادة والصورة ، والكثرة الحسية بالقوة أو بالفعل كما في الجسم ، وذلك متضمن لكونه سبحانه منزها عن الجنس والفصل ، والمادة والصورة ، والأعراض والأبعاض ، والأعضاء والأشكال ، والألوان ، وسائر ما يثلم الوحدة الكاملة والبساطة الحقة اللائقة بكرم وجهه عز وجل على أن يشبهه شيء أو يساويه سبحانه شيء . وتبيينه : أما الواحد فمقول على ما تحته بالتشكيك ، والذي لا ينقسم بوجهه أصلا أولى بالواحدية مما ينقسم من بعض الوجوه ، والذي لا ينقسم [ ص: 615 ] انقساما عقليا أولى بالواحدية من الذي ينقسم انقساما بالحس بالقوة ثم بالفعل ، فأحد جامع للدلالة على الواحدية من جميع الوجوه وأنه لا كثرة في موصوفه اهـ .

قلت : قد فهم المسلمون هذا ، فقد روي أن بلالا كان إذا عذب على الإسلام يقول : أحد أحد . وكان شعار المسلمين يوم بدر : أحد أحد .

والذي درج عليه أكثر الباحثين في أسماء الله تعالى أن ( أحدا ) ليس ملحقا بالأسماء الحسنى ; لأنه لم يرد ذكره في حديث أبي هريرة عند الترمذي قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم : إن لله تسعا وتسعين اسما من أحصاها دخل الجنة . وعدها ولم يذكر فيها وصف أحد ، وذكر وصف واحد ، وعلى ذلك درج إمام الحرمين في كتاب الإرشاد وكتاب اللمع والغزالي في شرح الأسماء الحسنى .

وقال الفهري في شرحه على لمع الأدلة لإمام الحرمين عند ذكر اسمه تعالى ( الواحد ) . وقد ورد في بعض الروايات الأحد فلم يجمع بين الاسمين في اسم .

ودرج ابن برجان الإشبيلي في شرح الأسماء والشيخ محمد بن محمد الكومي ( بالميم ) التونسي ، ولطف الله الأرضرومي في معارج النور ، على عد أحد في عداد الأسماء الحسنى مع اسمه الواحد فقالا : الواحد الأحد بحيث هو كالتأكيد له كما يقتضيه عدهم الأسماء تسعة وتسعين ، وهذا بناء على أن حديث أبي هريرة لم يقتض حصر الأسماء الحسنى في التسعة والتسعين ، وإنما هو لبيان فضيلة تلك الأسماء المعدودة فيه .

والمعنى أن الله منفرد بالإلهية لا يشاركه فيها شيء من الموجودات ، وهذا إبطال للشرك الذي يدين به أهل الشرك ، وللتثليث الذي أحدثه النصارى الملكانية وللثانوية عند المجوس ، وللعد الذي لا يحصى عند البراهمة .

فقوله : الله أحد نظير قوله في الآية الأخرى إنما الله إله واحد وهذا هو المعنى الذي يدركه المخاطبون في هذه الآية السائلون عن نسبة الله ، أي : حقيقته ، [ ص: 616 ] فابتدئ لهم بأنه واحد ليعلموا أن الأصنام ليست من الإلهية في شيء .

ثم إن الأحدية تقتضي الوجود لا محالة فبطل قول المعطلة والدهريين .

وقد اصطلح علماء الكلام من أهل السنة على استخراج الصفات السلبية الربانية من معنى الأحدية ; لأنه إذا كان منفردا بالإلهية كان مستغنيا عن المخصص بالإيجاب ; لأنه لو افتقر إلى من يوجده لكان من يوجده إلها أول منه ; فلذلك كان وجود الله قديما غير مسبوق بعدم ولا محتاج إلى مخصص بالوجود بدلا عن العدم ، وكان مستعينا على الإمداد بالوجود فكان باقيا ، وكان غنيا عن غيره ، وكان مخالفا للحوادث وإلا لاحتاج مثلها إلى المخصص فكان وصفه تعالى بـ ( أحد ) جامعا للصفات السلبية . ومثل ذلك يقال في مرادفه وهو وصف واحد .

واصطلحوا على أن أحدية الله أحدية واجبة كاملة ، فالله تعالى واحد من جميع الوجوه ، وعلى كل التقادير فليس لكنه الله كثرة أصلا لا كثرة معنوية وهي تعدد المقومات من الأجناس والفصول التي تتقوم منها المواهي ، ولا كثرة الأجزاء في الخارج التي تتقوم منها الأجسام . فأفاد وصف ( أحد ) أنه منزه عن الجنس والفصل والمادة والصورة ، والأعراض والأبعاض ، والأعضاء والأشكال والألوان وسائر ما ينافي الوحدة الكاملة كما أشار إليه ابن سينا .

قال في الكشاف : وفي قراءة النبيء - صلى الله عليه وسلم - الله أحد بغير قل هو اهـ ولعله أخذه مما روى أن النبيء - صلى الله عليه وسلم - قال : من قرأ ( الله أحد ) كان بعدل ثلث القرآن كما ذكره بأثر قراءة أبي بدون ( قل ) مما تأوله الطيبي ، إذ قال وهذا استشهاد على هذه القراءة .

وعندي إن صح ما روي من القراءة أن النبيء - صلى الله عليه وسلم - لم يقصد بها التلاوة ، وإنما قصد الامتثال لما أمر بأن يقول ، وهذا كما كان يكثر أن يقول ( سبحان ربي العظيم وبحمده اللهم اغفر لي ) يتأول قوله تعالى : فسبح بحمد ربك واستغفره .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
Karim

avatar

عدد الرسائل : 61
العمر : 42
تاريخ التسجيل : 10/02/2008

بطاقة الشخصية
البيانات البيانات: 10
اسم المستعمل اسم المستعمل: 10

مُساهمةموضوع: سورة الإخلاص   الجمعة 12 يونيو 2009 - 13:12


الله الصمد ( 2 )

جملة ثانية محكية بالقول المحكي به جملة الله أحد فهي خبر ثان عن الضمير . والخبر المتعدد يجوز عطفه وفصله ، وإنما فصلت عن التي قبلها ; لأن هذه الجمل مسوقة لتلقين السامعين فكانت جديرة بأن تكون كل جملة مستقلة بذاتها غير ملحقة بالتي قبلها بالعطف ، على طريقة إلقاء المسائل على المتعلم نحو أن يقول : الحوز شرط صحة الحبس ، الحوز لا يتم إلا بالمعاينة ، ونحو قولك : عنترة من فحول الشعراء ، عنترة من أبطال الفرسان .

ولهذا الاعتبار وقع إظهار اسم الجلالة في قوله : الله الصمد وكان مقتضى الظاهر أن يقال : هو الصمد .

والصمد : السيد الذي لا يستغنى عنه في المهمات ، وهو سيد القوم المطاع فيهم .

قال في الكشاف : وهو فعل بمعنى مفعول من : صمد إليه ، إذا قصده ، فالصمد المصمود في الحوائج . قلت : ونظيره السند الذي تسند إليه الأمور المهمة ، والفلق اسم الصباح لأنه يتفلق عنه الليل .

والصمد : من صفات الله ، والله هو الصمد الحق الكامل الصمدية على وجه العموم .

فالصمد من الأسماء التسعة والتسعين في حديث أبي هريرة عند الترمذي . ومعناه : المفتقر إليه كل ما عداه ، فالمعدوم مفتقر وجوده إليه والموجود مفتقر في شئونه إليه .

وقد كثرت عبارات المفسرين من السلف في معنى الصمد ، وكلها مندرجة تحت هذا المعنى الجامع ، وقد أنهاها فخر الدين إلى ثمانية عشر قولا ، ويشمل هذا الاسم صفات الله المعنوية الإضافية وهي كونه تعالى حيا ، عالما ، مريدا ، قادرا ، متكلما ، سميعا ، بصيرا ; لأنه لو انتفى عنه أحد هذه الصفات لم يكن مصمودا إليه .

وصيغة الله الصمد صيغة قصر بسبب تعريف المسند ، فتفيد قصر صفة الصمدية على الله تعالى ، وهو قصر قلب لإبطال ما تعوده أهل الشرك في الجاهلية من دعائهم أصنامهم في حوائجهم والفزع إليها في نوائبهم حتى نسوا الله . قال أبو سفيان ليلة فتح مكة وهو بين يدي النبيء - صلى الله عليه وسلم - وقال له النبيء - صلى الله عليه وسلم : أما آن لك أن تشهد أن لا إله إلا الله ؟ لقد علمت أن لو كان معه إله آخر لقد أغنى عني شيئا .


لم يلد ولم يولد ( 3 )

جملة لم يلد خبر ثان عن اسم الجلالة من قوله : الله الصمد أو حال من المبتدأ أو بدل اشتمال من جملة الله الصمد لأن من يصمد إليه لا يكون من حاله أن يلد ; لأن طلب الولد لقصد الاستعانة به في إقامة شئون الوالد وتدارك عجزه ، ولذلك استدل على إبطال قولهم اتخذ الله ولدا بإثبات أنه الغني في قوله تعالى : قالوا اتخذ الله ولدا سبحانه هو الغني له ما في السماوات وما في الأرض فبعد أن أبطلت الآية الأولى من هذه السورة تعدد الإله بالأصالة والاستقلال ، أبطلت هذه الآية تعدد الإله بطريق تولد إله عن إله ; لأن المتولد مساو لما تولد عنه .

والتعدد بالتولد مساو في الاستحالة لتعدد الإله بالأصالة لتساوي ما يلزم على التعدد في كليهما من فساد الأكوان المشار إليه بقوله تعالى : لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا ( وهو برهان التمانع ) ، ولأنه لو تولد عن الله موجود آخر للزم انفصال جزء عن الله تعالى وذلك مناف للأحدية كما علمت آنفا ، وبطل اعتقاد المشركين من العرب أن الملائكة بنات الله تعالى فعبدوا الملائكة لذلك ; لأن النبوة للإله تقتضي إلهية الابن قال تعالى : وقالوا اتخذ الله ولدا سبحانه بل عباد مكرمون .

وجملة ولم يولد عطف على جملة لم يلد أي : ولم يلده غيره ، وهي بمنزلة الاحتراس سدا لتجويز أن يكون له والد ، فأردف نفي الولد بنفي الوالد ، وإنما قدم نفي الولد لأنه أهم ، إذ قد نسب أهل الضلالة الولد إلى الله تعالى ولم ينسبوا [ ص: 619 ] إلى الله والدا . وفيه الإيماء إلى أن من يكون مولودا مثل عيسى لا يكون إلها ; لأنه لو كان الإله مولودا لكان وجوده مسبوقا بعدم لا محالة وذلك محال ; لأنه لو كان مسبوقا بعدم لكان مفتقرا إلى من يخصصه بالوجود بعد العدم ، فحصل من مجموع جملة لم يلد ولم يولد إبطال أن يكون الله والدا لمولود ، أو مولودا من والد بالصراحة . وبطلت إلهية كل مولود بطريق الكناية فبطلت العقائد المبنية على تولد الإله مثل عقيدة ( زرادشت ) الثانوية القائلة بوجود إلهين : إله الخير وهو الأصل ، وإله الشر وهو متولد عن إله الخير . لأن إله الخير وهو المسمى عندهم ( يزدان ) فكر فكرة سوء ، فتولد منه إله الشر المسمى عندهم ( أهرمن ) وقد أشار إلى مذهبهم أبو العلاء بقوله :



قال أناس باطل زعمهم فراقبوا الله ولا تزعمن فكر ( يزدان ) على غرة
فصيغ من تفكيره ( أهرمن )



وبطلت عقيدة النصارى بإلهية عيسى - عليه السلام - بتوهمهم أنه ابن الله وأن ابن الله لا يكون إلا إلها بأن الإله يستحيل أن يكون له ولد ، فليس عيسى بابن الله ، وبأن الإله يستحيل أن يكون مولودا بعد عدم ، فالمولود المتفق على أنه مولود يستحيل أن يكون إلها ، فبطل أن يكون عيسى إلها .

فلما أبطلت الجملة الاسمية الأولى إلهية إله غير الله بالأصالة ، وأبطلت الجملة الثانية إلهية غير الله بالاستحقاق ، أبطلت هذه الجملة إلهية غير الله بالفرعية والتولد بطريق الكناية .

وإنما نفي أن يكون الله والدا وأن يكون مولودا في الزمن الماضي ; لأن عقيدة التولد ادعت وقوع ذلك في زمن مضى ، ولم يدع أحد أن الله سيتخذ ولدا في المستقبل .



ولم يكن له كفوا أحد ( 4 )

في معنى التذليل للجمل التي قبلها لأنها أعم من مضمونها ; لأن تلك الصفات المتقدمة صريحها وكنايتها وضمنيها لا يشبهه فيها غيره ، مع إفادة هذه انتفاء [ ص: 620 ] شبيه له فيما عداها مثل صفات الأفعال كما قال تعالى : إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له .

والواو في قوله : ولم يكن له كفؤا أحد اعتراضية ، وهي واو الحال ، كالواو في قوله تعالى : ( وهل يجازى إلا الكفور ) فإنها تذليل لجملة ذلك جزيناهم بما كفروا ويجوز كون الواو عاطفة إن جعلت الواو الأولى عاطفة ، فيكون المقصود من الجملة إثبات وصف مخالفته تعالى للحوادث وتكون استفادة معنى التذليل تبعا للمعنى والنكت ولا تتزاحم .

والكفؤ : بضم الكاف وضم الفاء وهمزة في آخره . وبه قرأ نافع وأبو عمرو وأبو بكر عن عاصم وأبو جعفر ، إلا أن الثلاثة الأولين حققوا الهمزة وأبو جعفر سهلها ، ويقال ( كفء ) بضم الكاف وسكون الفاء وبالهمز ، وبه قرأ حمزة ويعقوب ، ويقال ( كفؤا ) بالواو عوض الهمز ، وبه قرأ حفص عن عاصم وهي لغات ثلاث فصيحة .

ومعناه : المساوي والمماثل في الصفات .

و ( أحد ) هنا بمعنى إنسان أو موجود ، وهو من الأسماء النكرات الملازمة للوقوع في حيز النفي .

وحصل بهذا جناس تام مع قوله : قل هو الله أحد .

وتقديم خبر ( كان ) على اسمها للرعاية على الفاصلة وللاهتمام بذكر الكفؤ عقب الفعل المنفي ليكون أسبق إلى السمع .

وتقديم المجرور بقوله ( له ) على متعلقه وهو ( كفؤا ) للاهتمام باستحقاق الله نفي كفاءة أحد له ، فكان هذا الاهتمام مرجحا تقديم المجرور على متعلقه وإن كان الأصل تأخير المتعلق ، إذا كان ظرفا لغويا . وتأخيره عند سيبويه أحسن ما لم يقتض التقديم مقتض كما أشار إليه في الكشاف .

وقد وردت في فضل هذه السورة أخبار صحيحة وحسنة استوفاها المفسرون . وثبت في الحديث الصحيح في الموطأ والصحيحين من طرق عدة : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ( قل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن ) .

واختلفت التأويلات التي تأول بها أصحاب معاني الآثار بهذا الحديث ويجمعها أربع تأويلات .

الأول : أنها تعدل ثلث القرآن في ثواب القراءة ، أي : تعدل ثلث القرآن إذا قرئ بدونها حتى لو كررها القارئ ثلاث مرات كان له ثواب من قرأ القرآن كله .

الثاني : أنها تعدل ثلث القرآن إذا قرأها من لا يحسن غيرها من سور القرآن .

الثالث : أنها تعدل ثلث معاني القرآن باعتبار أجناس المعاني ; لأن معاني القرآن أحكام وأخبار وتوحيد ، وقد انفردت هذه السورة بجمعها أصول العقيدة الإسلامية ما لم يجمعه غيرها .

وأقول : إن ذلك كان قبل نزول آيات مثلها مثل آية الكرسي ، أو لأنه لا توجد سورة واحدة جامعة لما في سورة الإخلاص .


التأويل الرابع : أنها تعدل ثلث القرآن في الثواب مثل التأويل الأول ، ولكن لا يكون تكريرها ثلاث مرات بمنزلة قراءة ختمة كاملة .

قال ابن رشد في البيان والتحصيل : أجمع العلماء على أن من قرأ ( قل هو الله أحد ) ثلاث مرات لا يساوي في الأجر من أحيا بالقرآن كله اهـ . فيكون هذا التأويل قيدا للتأويل الأول ، ولكن في حكايته الإجماع على أن ذلك هو المراد - نظرا ، فإن في بعض الأحاديث ما هو صريح في أن تكريرها ثلاث مرات يعدل قراءة ختمة كاملة .

قال ابن رشد : واختلافهم في تأويل الحديث لا يرتفع بشيء منه عن الحديث الإشكال ولا يتخلص عن أن يكون فيه اعتراض .

وقال أبو عمر بن عبد البر : السكوت على هذه المسألة أفضل من الكلام فيها .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
Karim

avatar

عدد الرسائل : 61
العمر : 42
تاريخ التسجيل : 10/02/2008

بطاقة الشخصية
البيانات البيانات: 10
اسم المستعمل اسم المستعمل: 10

مُساهمةموضوع: سورة المسد   الجمعة 12 يونيو 2009 - 13:15

بسم الله الرحمن الرحيم

( تبت يدا أبي لهب وتب ( 1 ) ما أغنى عنه ماله وما كسب ( 2 ) سيصلى نارا ذات لهب ( 3 ) وامرأته حمالة الحطب ( 4 ) في جيدها حبل من مسد ( 5 ) )


مقدمة


سميت هذه السورة في أكثر المصاحف ( سورة تبت ) وكذلك عنونها الترمذي في جامعه وفي أكثر كتب التفسير ، تسمية لها بأول كلمة فيها .

وسميت في بعض المصاحف وفي بعض التفاسير ( سورة المسد ) . واقتصر في الإتقان على هذين .

وسماها جمع من المفسرين ( سورة أبي لهب ) على تقدير : سورة ذكر أبي لهب . وعنونها أبو حيان في تفسيره ( سورة اللهب ) ولم أره لغيره .

وعنونها ابن العربي في أحكام القرآن سورة ما كان من أبي لهب وهو عنوان وليس باسم .

وهي مكية بالاتفاق .

وعدت السادسة من السور نزولا ، نزلت بعد سورة الفاتحة وقبل سورة التكوير .

وعدد آيها خمس .

روي أن نزولها كان في السنة الرابعة من البعثة . وسبب نزولها على ما في الصحيحين عن ابن عباس قال : صعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذات يوم على الصفا فنادى ( يا صباحاه ) - ( كلمة ينادى بها للإنذار من عدو يصبح القوم ) فاجتمعت إليه قريش ، فقال : إني نذير لكم بين يدي عذاب شديد ، أرأيتم لو أني أخبرتكم أن العدو ممسيكم أو مصبحكم أكنتم تصدقوني ؟ قالوا : ما جربنا عليك كذبا ، فقال أبو لهب : تبا لك سائر اليوم ألهذا جمعتنا ؟ فنزلت تبت يدا [ ص: 600 ] أبي لهب . ووقع في الصحيحين من رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : لما نزلت وأنذر عشيرتك الأقربين ورهطك منهم المخلصين خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى صعد الصفا إلى آخر الحديث المتقدم .

ومعلوم أن آية وأنذر عشيرتك الأقربين من سورة الشعراء وهي متأخرة النزول عن سورة تبت ، وتأويل ذلك أن آية تشبه آية سورة الشعراء نزلت قبل سورة أبي لهب لما رواه أبو أسامة يبلغ ابن عباس لما نزلت ( وأنذر عشيرتك الأقربين وقومك منهم المخلصين ) ( ولم يقل من سورة الشعراء ) خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى صعد الصفا . فتعين أن آية سورة الشعراء تشبه صدر الآية التي نزلت قبل نزول سورة أبي لهب .


أغراض السورة

زجر أبي لهب على قوله ( تبا لك ألهذا جمعتنا ؟ ) ووعيده على ذلك ، ووعيد امرأته على انتصارها لزوجها ، وبغضها النبيء - صلى الله عليه وسلم .


تبت يدا أبي لهب وتب ( 1 )

افتتاح السورة بالتبات مشعر بأنها نزلت لتوبيخ ووعيد ، فذلك براعة استهلال مثل ما تفتتح أشعار الهجاء بما يؤذن بالذم والشتم ، ومنه قوله تعالى : ويل للمطففين ، إذ افتتحت السورة المشتملة على وعيد المطففين للفظ الويل ومن هذا القبيل قول عبد الرحمن بن الحكم من شعراء الحماسة :



لحا الله قيسا قيس عيلان إنها أضاعت ثغور المسلمين وولت


وقول أبي تمام في طالعة هجاء :



النار والعار والمكروه والعطب


ومنه أخذ أبو بكر بن الخازن قوله في طالع قصيدة هناء بمولد :



مجشري فقد أنجز الإقبال ما وعد


والتب : الخسران والهلاك ، والكلام دعاء وتقريع لأبي لهب دافع الله به عن نبيئه بمثال اللفظ الذي شتم به أبو لهب محمدا - صلى الله عليه وسلم - جزاء وفاقا .

وإسناد التب إلى اليدين لما روي من أن أبا لهب لما قال للنبيء : تبا لك سائر اليوم ألهذا جمعتنا ؟ أخذ بيده حجرا ليرميه به . وروي عن طارق المحاربي قال : بينا أنا بسوق ذي المجاز ، إذا أنا برجل حديث السن يقول : أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا ، وإذا رجل خلفه يرميه قد أدمى ساقيه وعرقوبيه ، يقول : يا أيها الناس إنه كذاب فلا تصدقوه . فقلت : من هذا ؟ فقالوا : هذا محمد يزعم أنه نبيء ، وهذا عمه أبو لهب ، فوقع الدعاء على يديه لأنهما سبب أذى النبيء - صلى الله عليه وسلم - كما يقال للذي يتكلم بمكروه : ( بفيك الحجارة أو بفيك الكثكث ) ، وقول النابغة :



قعودا لدى أبياتهم يثمدونها رمى الله في تلك الأكف الكوانع



ويقال بضد ذلك للذي يقول كلاما حسنا : لا فض فوك ، وقال أعرابي من بني أسد :



دعوت لما نابني مسورا فلبى فلبي يدي مسور



لأنه دعاه لما نابه من العدو للنصر ، والنصر يكون بعمل اليد بالضرب أو الطعن .

وأبو لهب : هو عبد العزى بن عبد المطلب وهو عم النبيء - صلى الله عليه وسلم ، وكنيته أبو عتبة تكنية باسم ابنه ، وأما كنيته بأبي لهب في الآية ، فقيل كان يكنى بذلك في الجاهلية ( لحسنه وإشراق وجهه ) وأنه اشتهر بتلك الكنية كما اقتضاه حديث طارق المحاربي ، ومثله حديث عن ربيعة بن عباد الديلي في مسند أحمد ، فسماه القرآن بكنيته دون اسمه ; لأن في اسمه عبادة العزى ، وذلك لا يقره القرآن ، أو لأنه كان بكنيته أشهر منه باسمه العلم ، أو لأن في كنيته ما يتأتى به التوجيه بكونه صائرا إلى النار ، وذلك كناية عن كونه جهنميا ; لأن اللهب ألسنة النار إذا اشتعلت وزال عنها الدخان . والأب : يطلق على ملازم ما أضيف إليه ، كقولهم ( أبوها وكيالها ) ، وكما كني إبراهيم - عليه السلام - أبا الضيفان ، وكنى النبيء - صلى الله عليه وسلم - عبد [ ص: 602 ] الرحمن بن صخر الدوسي أبا هريرة ; لأنه حمل هرة في كم قميصه ، وكني شهر رمضان : أبا البركات ، وكني الذئب : أبا جعدة ، والجعدة سخلة المعز ; لأنه يلازم طلبها لافتراسها ، فكانت كنية أبي لهب صالحة موافقة لحاله من استحقاقه لهب جهنم ، فصار هذا التوجيه كناية عن كونه جهنميا لينتقل من جعل أبي لهب بمعنى ملازم اللهب إلى لازم تلك الملازمة في العرف ، وهو من أهل جهنم وهو لزوم ادعائي مبني على التفاؤل بالأسماء ونحوها كما أشار إليه التفتزاني في مبحث العلمية من شرح المفتاح ، وأنشد قول الشاعر :



قصدت أبا المحاسن كي أراه لشوق كان يجذبني إليه
فلما أن رأيت رأيت فردا ولم أر من بنيه ابنا لديه



وقد يكون أبو لهب كنيته الحطب كما أنبأ عنه ما روي عن أبي هريرة ( أن ابنة أبي لهب قالت للنبيء - صلى الله عليه وسلم : إن الناس يصيحون بي ويقولون : إني ابنة حطب النار ) . الحديث .

وقرأ الجمهور لفظ ( لهب ) بفتح الهاء ، وقرأه ابن كثير بسكون الهاء ، وهو لغة لأنهم كثيرا ما يسكنون عين الكلمة المتحركة مع الفاء ، وقد يكون ذلك ; لأن ( لهب ) صار جزء علم ، والعرب قد يغيرون بعض حركات الاسم إذا نقلوه إلى العلمية كما قالوا : شمس بضم الشين . ولشمس بن مالك الشاعر الذي ذكره تأبط شرا في قوله :



إني لمهد من ثنائي فقاصد به لابن عم الصدق شمس بن مالك


قال أبو الفتح بن جني في كتاب إعراب الحماسة : يجوز أن يكون ضم الشين على وجه تغيير الأعلام نحو معد يكرب ، وتهلك وموهب وغير ذلك مما غير على حال نظائره لأجل العلمية الحادثة فيه اهـ .

وكما قالوا : أبو سلمى بضم السين كنية والد زهير بن أبي سلمى ; لأنهم نقلوا اسم سلمى بفتح السين من أسماء النساء إلى جعله اسم رجل يكنى به ; لأنهم لا يكنون بأسماء النساء غالبا .

ولذلك لم يسكن ابن كثير الهاء من قوله تعالى : ذات لهب وقراءة ابن كثير قراءة أهل مكة فلعل أهل مكة اشتهرت بينهم كنية أبي لهب بسكون الهاء تحقيقا لكثرة دورانها على الألسنة في زمانه .

وجملة ( وتب ) إما معطوفة على جملة تبت يدا أبي لهب عطف الدعاء على الدعاء إذا كان إسناد التبات إلى اليدين لأنهما آلة الأذى بالرمي بالحجارة كما في خبر طارق المحاربي ، فأعيد الدعاء على جميعه إغلاظا له في الشتم والتفريع ، وتفيد بذلك تأكيدا لجملة تبت يدا أبي لهب لأنها بمعناها ، وإنما اختلفتا في الكلية والجزئية ، وذلك الاختلاف هو مقتضي عطفها ، وإلا لكان التوكيد غير معطوف ; لأن التوكيد اللفظي لا يعطف بالواو كما تقدم في سورة الكافرون .

وإما أن تكون في موضع الحال ، والواو واو الحال ولا تكون دعاء إنما هي تحقيق لحصول ما دعي عليه به ، كقول النابغة :



جزى ربه عني عدي بن حاتم جزاء الكلاب العاويات


وقد فعل فيكون الكلام قبله مستعملا في الذم والشماتة به أو لطلب الإزدياد ، ويؤيد هذا الوجه قراءة عبد الله بن مسعود وقد تب فيتمحض الكلام قبله لمعنى الذم والتحقير دون معنى طلب حصول التبات له ، وذلك كقول عبد الله بن رواحة حين خروجه إلى غزوة مؤتة التي استشهد فيها :



حتى يقولوا إذا مروا على جدثي أرشدك الله من غاز وقد رشدا


يعني : ويقولوا : وقد رشدا ، فيصير قوله : أرشدك الله من غاز ، لمجرد الثناء والغبطة بما حصله من الشهادة .


ما أغنى عنه ماله وما كسب ( 2 )

استئناف ابتدائي للانتقال من إنشاء الشتم والتوبيخ إلى الإعلام بأنه آيس من النجاة من هذا التبات ، ولا يغنيه ماله ، ولا كسبه ، أي : لا يغني عنه ذلك في دفع شيء عنه في الآخرة .

[ ص: 604 ] والتعبير بالماضي في قوله : ما أغنى لتحقيق وقوع عدم الإغناء .

و ( ما ) نافية ، ويجوز أن تكون استفهامية للتوبيخ والإنكار .

والمال : الممتلكات المتمولة ، وغلب على العرب إطلاقه على الإبل ، ومن كلام عمر ( لولا المال الذي أحمل عليه في سبيل الله ) إلخ . في اتقاء دعوة المظلوم ، من الموطأ ، وقال زهير :



صحيحات مال طالعات بمخرم


وأهل المدينة وخيبر والبحرين يغلب عندهم على النخيل ، وقد تقدم عند قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل في سورة البقرة وفي مواضع .

وما كسب موصول وصلته والعائد محذوف جوازا ; لأنه ضمير نصب ، والتقدير : وما كسبه ، أي : ما جمعه . والمراد به : ما يملكه من غير النعم من نقود وسلاح وربع وعروض وطعام ، ويجوز أن يراد بماله : جميع ماله ، ويكون عطف وما كسب من ذكر الخاص بعد العام للاهتمام به ، أي : ما أغنى عنه ماله التالد وهو ما ورثه عن أبيه عبد المطلب وما كسبه هو بنفسه وهو طريفه .

وروي عن ابن مسعود أن أبا لهب قال : إن كان ما يقول ابن أخي حقا فأنا أفتدي نفسي يوم القيامة بمالي وولدي ، فأنزل الله ما أغنى عنه ماله وما كسب وقال ابن عباس ما كسب هو ولده فإن الولد من كسب أخيه .


سيصلى نارا ذات لهب ( 3 )

بيان لجملة ما أغنى عنه ماله وما كسب أي : لا يغني عنه شيء من عذاب جهنم . ونزل هذا القرآن في حياة أبي لهب وقد مات بعد ذلك كافرا ، فكانت هذه الآية إعلاما بأنه لا يسلم ، وكانت من دلائل النبوة .

والسين للتحقيق مثل قوله تعالى : قال سوف أستغفر لكم ربي .

و يصلى نارا يشوى بها ويحس بإحراقها . وأصل الفعل : صلاه بالنار ، إذا [ ص: 605 ] شواه ثم جاء منه صلي كأفعال الإحساس مثل فرح ومرض . ونصب ( نارا ) على نزع الخافض .

ووصف النار بـ ذات لهب لزيادة تقرير المناسبة بين اسمه وبين كفره ، إذ هو أبو لهب والنار ذات لهب .

وهو ما تقدم الإيماء إليه بذكر كنيته كما قدمناه آنفا ، وفي وصف النار بذلك زيادة كشف بحقيقة النار وهو مثل التأكيد .

وبين لفظي ( لهب ) الأول ( ولهب ) الثاني الجناس التام .


وامرأته حمالة الحطب ( 4 ) في جيدها حبل من مسد ( 5 )

أعقب ذم أبي لهب ووعيده بمثل ذلك لامرأته لأنها كانت تشاركه في أذى النبيء - صلى الله عليه وسلم - وتعينه عليه .

وامرأته : أي : زوجه . قال تعالى في قصة إبراهيم وامرأته قائمة وفي قصة لوط إلا امرأته كانت من الغابرين وفي قصة يوسف امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه .

وامرأة أبي لهب هي أم جميل ، واسمها أروى بنت حرب بن أمية وهي أخت أبي سفيان بن حرب ، وقيل : اسمها العوراء ، فقيل : هو وصف وأنها كانت عوراء ، وقيل : اسمها ، وذكر بعضهم : أن اسمها العواء بهمزة بعد الواو .

وكانت أم جميل هذه تحمل حطب العضاه والشوك فتضعه في الليل في طريق النبيء - صلى الله عليه وسلم - الذي يسلك منه إلى بيته ليعقر قدميه .

فلما حصل لأبي لهب وعيد مقتبس من كنيته جعل لامرأته وعيد مقتبس لفظه من فعلها وهو حمل الحطب في الدنيا ، فأنذرت بأنها تحمل الحطب في جهنم ليوقد به على زوجها ، وذلك خزي لها ولزوجها ، إذ جعل شدة عذابه على يد أحب الناس إليه ، وجعلها سببا لعذاب أعز الناس عليها .

[ ص: 606 ] فقوله ( وامرأته ) عطف على الضمير المستتر في ( سيصلى ) أي : وتصلى امرأته نارا .

وقوله : حمالة الحطب قرأه الجمهور برفع ( حمالة ) على أنه صفة لامرأته فيحتمل أنها صفتها في جهنم ، ويحتمل أنها صفتها التي كانت تعمل في الدنيا بجلب حطب العضاه لتضعه في طريق النبيء - صلى الله عليه وسلم - على طريقة التوجيه والإيماء إلى تعليل تعذيبها بذلك .

وقرأه عاصم بنصب ( حمالة ) على الحال من امرأته . وفيه من التوجيه والإيماء ما في قراءة الرفع .

وجملة في جيدها حبل من مسد صفة ثانية أو حال ثانية وذلك إخبار بما تعامل به في الآخرة ، أي : يجعل لها حبل في عنقها تحمل فيه الحطب في جهنم لإسعار النار على زوجها جزاء مماثلا لعملها في الدنيا الذي أغضب الله تعالى عليها .

والجيد : العنق ، وغلب في الاستعمال على عنق المرأة وعلى محل القلادة منه ، فقل أن يذكر العنق في وصف النساء في الشعر العربي إلا إذا كان عنقا موصوفا بالحسن ، وقد جمعهما امرؤ القيس في قوله :



وجيد كجيد الرئم ليس بفاحش إذا هي نصته ولا بمعطل


قال السهيلي في الروض : " والمعروف أن يذكر العنق إذا ذكر الحلي أو الحسن ، فإنما حسن هنا ذكر الجيد في حكم البلاغة ; لأنها امرأة والنساء تحلي أجيادهن ، وأم جميل لا حلي لها في الآخرة إلا الحبل المجعول في عنقها ، فلما أقيم لها ذلك مقام الحلي ذكر الجيد معه ، ألا ترى إلى قول الأعشى :



يوم تبدي لنا قتيلة عن جيـ د أسيل تزينه الأطواق


ولم يقل عن عنق ، وقول الآخر :



وأحسن من عقد المليحة جيدها



ولم يقل عنقها ولو قال لكان غثا من الكلام " . اهـ .

[ ص: 607 ] قلت : وأما قول المعري :



الحجل للرجل والتاج المنيف لما فوق الحجاج وعقد الدر للعنق



فإنما حسنه ما بين العقد والعنق من الجناس إتماما للمجانسة التي بين الحجل والرجل ، والتاج والحجاج ، وهو مقصود الشاعر .

والحبل : ما يربط به الأشياء التي يراد اتصال بعضها ببعض وتقيد به الدابة والمسجون كي لا يبرح من المكان ، وهو ضفير من الليف أو من سيور جلد في طول متفاوت على حسب قوة ما يشد به أو يربط في وتد أو حلقة أو شجرة بحيث يمنع المربوط به من مغادرة موضعه إلى غيره إلى بعد يراد ، وتربط به قلوع السفن في الأرض في الشواطئ ، وتقدم في قوله تعالى : واعتصموا بحبل الله جميعا ، وقوله : إلا بحبل من الله وحبل من الناس كلاها في سورة آل عمران ، ويقال : حبله إذا ربطه .

والمسد : ليف من ليف اليمن شديد ، والحبال التي تفتل منه تكون قوية وصلبة .

وقدم الخبر من قوله : في جيدها للاهتمام بوصف تلك الحالة الفظيعة التي عوضت فيها بحبل في جيدها عن العقد الذي كانت تحلي به جيدها في الدنيا فتربط به إذا كانت هي وزوجها من أهل الثراء وسادة أهل البطحاء ، وقد ماتت أم جميل على الشرك .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
Karim

avatar

عدد الرسائل : 61
العمر : 42
تاريخ التسجيل : 10/02/2008

بطاقة الشخصية
البيانات البيانات: 10
اسم المستعمل اسم المستعمل: 10

مُساهمةموضوع: سورة النصر   الجمعة 12 يونيو 2009 - 13:25

بسم الله الرحمن الرحيم

( إذا جاء نصر الله والفتح ( 1 ) ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا ( 2 ) فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا ( 3 ) )


مقدمة


سميت هذه السورة في كلام السلف ( سورة إذا جاء نصر الله والفتح ) . روى البخاري ( أن عائشة قالت : لما نزلت سورة إذا جاء نصر الله والفتح ) الحديث .

وسميت في المصاحف وفي معظم التفاسير ( سورة النصر ) لذكر نصر الله فيها ، فسميت بالنصر المعهود عهدا ذكريا .

وهي معنونة في جامع الترمذي ( سورة الفتح ) لوقوع هذا اللفظ فيها فيكون هذا الاسم مشتركا بينها وبين إنا فتحنا لك فتحا مبينا .

وعن ابن مسعود أنها تسمى سورة التوديع في الإتقان ; لما فيها من الإيماء إلى وداعه - صلى الله عليه وسلم - اهـ . يعني : من الإشارة إلى اقتراب لحاقه بالرفيق الأعلى كما سيأتي عن عائشة .

وهي مدنية بالاتفاق .

واختلف في وقت نزولها فقيل نزلت منصرف النبيء - صلى الله عليه وسلم - من خيبر أي : في سنة سبع ، ويؤيده ما رواه الطبري والطبراني عن ابن عباس : بينما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة نزلت إذا جاء نصر الله والفتح ، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم : الله أكبر جاء نصر الله والفتح ، وجاء نصر أهل اليمن . فقال رجل : يا رسول الله وما أهل اليمن ؟ قال : قوم رقيقة قلوبهم ، لينة طباعهم ، الإيمان يمان ، والفقه يمان ، والحكمة يمانية اهـ ، ومجيء أهل اليمن أول مرة هو مجيء وفد الأشعريين عام غزوة خيبر .

ولم يختلف أهل التأويل أن المراد بالفتح في الآية هو فتح مكة ، وعليه فالفتح [ ص: 588 ] مستقبل ودخول الناس في الدين أفواجا مستقبل أيضا وهو الأليق باستعمال ( إذا ) ويحمل قول النبيء - صلى الله عليه وسلم - ( جاء نصر الله والفتح ) على أنه استعمال الماضي في معنى المضارع لتحقق وقوعه ، أو لأن النصر في خيبر كان بادرة لفتح مكة .

وعن قتادة : نزلت قبل وفاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بسنتين .

وقال الواحدي عن ابن عباس ( نزلت منصرفه من حنين ) ، فيكون الفتح قد مضى ودخول الناس في الدين أفواجا مستقبلا ، وهو في سنة الوفود سنة تسع ، وعليه تكون ( إذا ) مستعملة في مجرد التوقيت دون تعيين .

وروى البزاز والبيهقي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن ابن عمر أنها أنزلت أواسط أيام التشريق ( أي : عام حجة الوداع ) . وضعفه ابن رجب بأن فيه موسى بن عبيدة وهو ضعيف . وقال أحمد بن حنبل : لا تحل الرواية عنه وإن صحت هذه الرواية كان الفتح ودخول الناس في الدين أفواجا قد مضيا .

وعن ابن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عاش بعد نزولها نحو ثلاثة أشهر وعليه تكون ( إذا ) مستعملة للزمن الماضي ; لأن الفتح ودخول الناس في الدين قد وقعا .

وقد تظافرت الأخبار رواية وتأويلا أن هذه السورة تشتمل على إيماء إلى اقتراب أجل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وليس في ذلك ما يرجح أحد الأقوال في وقت نزولها ، إذ لا خلاف في أن هذا الإيماء يشير إلى توقيت مجيء النصر والفتح ودخول الناس في الدين أفواجا ، فإذا حصل ذلك حان الأجل الشريف .

وفي حديث ابن عباس في صحيح البخاري : هو أجل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أعلمه له قال : إذا جاء نصر الله والفتح وذلك علامة أجلك فسبح بحمد ربك واستغفره .

وفي هذا ما يؤول ما في بعض الأخبار من إشارة إلى اقتراب ذلك الأجل مثلما في حديث ابن عباس عند البيهقي في دلائل النبوة والدارمي وابن مردويه : ( لما نزلت إذا جاء نصر الله والفتح دعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاطمة وقال : إنه قد نعيت إلي نفسي فبكت ) إلخ ، فإن قوله : " لما نزلت " مدرج من الراوي ، وإنما هو [ ص: 589 ] إعلام لها في مرضه كما جاء في حديث الوفاة في الصحيحين ، فهذا جمع بين ما يلوح منه تعارض في هذا الشأن .

وعدها جابر بن زيد السورة المائة والثلاث في ترتيب نزول السور وقال : نزلت بعد سورة الحشر وقبل سورة النور . وهذا جار على رواية أنها نزلت عقب غزوة خيبر .

وعن ابن عباس ، أنها آخر سورة نزلت من القرآن فتكون على قوله السورة المائة وأربع عشرة نزلت بعد سورة براءة ولم تنزل بعدها سورة أخرى .

وعدد آياتها ثلاث وهي مساوية لسورة الكوثر في عدد الآيات إلا أنها أطول من سورة الكوثر عدة كلمات ، وأقصر من سورة العصر . وهاته الثلاث متساوية في عدد الآيات . وفي حديث ابن أبي شيبة عن أبي إسحاق السبعي في حديث طعن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فصلى عبد الرحمن بن عوف صلاة خفيفة بأقصر سورتين في القرآن ( إنا أعطيناك الكوثر ) و ( إذا جاء نصر الله والفتح ) .


أغراض السورة

والغرض منها الوعد بنصر كامل من عند الله أو بفتح مكة ، والبشارة بدخول خلائق كثيرة في الإسلام بفتح وبدونه إن كان نزولها عند منصرف النبيء - صلى الله عليه وسلم - من خيبر كما قال ابن عباس في أحد قوليه .

والإيماء إلى أنه حين يقع ذلك فقد اقترب انتقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى الآخرة .

ووعده بأن الله غفر له مغفرة تامة لا مؤاخذة عليه بعدها في شيء مما يختلج في نفسه الخوف أن يكون منه تقصير يقتضيه تحديد القوة الإنسانية الحد الذي لا يفي بما تطلبه همته الملكية بحيث يكون قد ساوى الحد الملكي الذي وصفه الله تعالى في الملائكة بقوله : يسبحون الليل والنهار لا يفترون .


إذا جاء نصر الله والفتح ( 1 ) ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا ( 2 ) فسبح بحمد ربك واستغفره

( إذا ) اسم زمان مبهم يتعين مقداره بمضمون جملة يضاف إليها هو . فـ ( إذا ) اسم زمان مطلق ، فقد يستعمل للزمن المستقبل غالبا . ولذلك يضمن معنى الشرط غالبا ، ويكون الفعل الذي تضاف إليه بصيغة الماضي غالبا لإفادة التحقق ، وقد يكون مضارعا كقوله تعالى : وهو على جمعهم إذا يشاء قدير .

ويستعمل في الزمن الماضي وحينئذ يتعين أن تقع الجملة بعده بصيغة الماضي ، ولا تضمن ( إذا ) معنى الشرط حينئذ ، وإنما هي لمجرد الإخبار دون قصد تعليق نحو وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها .

و ( إذا ) هنا مضمنة الشرط لا محالة لوجود الفاء بقوله : فسبح بحمد ربك وقضية الاستقبال وعدمه تقدمت .

والنصر : الإعانة على العدو . ونصر الله يعقبه التغلب على العدو . والفتح : امتلاك بلد العدو وأرضه ; لأنه يكون بفتح باب البلد كقوله تعالى : ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون ، ويكون باقتحام ثغور الأرض ومحارسها فقد كانوا ينزلون بالأرضين التي لها شعاب وثغور ، قال لبيد :


وأجن عورات الثغور ظلامها


وقد فتح المسلمون خيبر قبل نزول هذه الآية فتعين أن الفتح المذكور فيها فتح آخر وهو فتح مكة كما يشعر به التعريف بلام العهد ، وهو المعهود في قوله تعالى : إنا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك صراطا مستقيما وينصرك الله نصرا عزيزا .

فإضافة ( نصر ) إلى ( الله ) تشعر بتعظيم هذا النصر ، وأنه نصر عزيز خارق للعادة اعتنى الله بإيجاد أسبابه ولم تجر على متعارف تولد الحوادث عن أمثالها . و ( جاء ) مستعمل في معنى : حصل وتحقق مجازا .

[ ص: 591 ] والتعريف في ( الفتح ) للعهد وقد وعد الله رسوله - صلى الله عليه وسلم - به غير مرة من ذلك قوله تعالى : إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد وقوله : لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رءوسكم ومقصرين لا تخافون فعلم ما لم تعلموا فجعل من دون ذلك فتحا قريبا . وهذه الآية نزلت عام الحديبية ، وذلك قبل نزول سورة إذا جاء نصر الله على جميع الأقوال .

وقد اتفقت أقوال المفسرين من السلف فمن بعدهم على أن الفتح المذكور في هذه السورة هو فتح مكة إلا رواية عن سعيد بن جبير عن ابن عباس هو فتح المدائن والقصور ، يعني : الحصون . وقد كان فتح مكة يخالج نفوس العرب كلهم ، فالمسلمون كانوا يرجونه ويعلمون ما أشار به القرآن من الوعد ، وأهل مكة يتوقعونه وبقية العرب ينتظرون ماذا يكون الحال بين أهل مكة وبين النبيء - صلى الله عليه وسلم - ويتلومون بدخولهم في الإسلام فتح مكة يقولون : إن ظهر محمد على قومه فهو نبي . وتكرر أن صد بعضهم بعضا ممن يريد اتباع الإسلام ، عن الدخول فيه وإنظاره إلى ما سيظهر من غلب الإسلام أو غلب الشرك .

أخرج البخاري عن عمرو بن سلمة قال : " لما كان الفتح بادر كل قوم بإسلامه إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكانت الأحياء تتلوم بإسلامها فتح مكة ، فيقولون : دعوه وقومه ، فإن ظهر عليهم فهو نبيء " .

وعن الحسن : لما فتحت مكة أقبلت العرب بعضها على بعض فقالوا : أما إذ ظفر بأهل الحرم ، فليس لنا به يدان ، فكانوا يدخلون في الإسلام أفواجا . فعلى قول الجمهور في أن الفتح هو فتح مكة ، يستقيم أن تكون هذه السورة نزلت بعد فتح خيبر وهو قول الأكثرين في وقت نزولها .

ويحتمل على قول القائلين بأنها نزلت عقب غزوة حنين أن يكون الفتح قد مضى ويكون التعليق على مجموع فتح مكة ومجيء نصر من الله آخر ودخول الناس في الإسلام ، وذلك بما فتح عليه بعد ذلك ودخول العرب كلهم في الإسلام سنة الوفود .

وعلى ما روي عن ابن عمر ( أنها نزلت في حجة الوداع ) يكون تعليق جملة ( فسبح بحمد ربك ) على الشرط الماضي مرادا به التذكير بأنه حصل ، أي : إذا [ ص: 592 ] تحقق ما وعدناك به من النصر والفتح وعموم الإسلام بلاد العرب فسبح بحمد ربك ، وهو مراد من قال من المفسرين ( إذا ) بمعنى ( قد ) ، فهو تفسير حاصل المعنى ، وليست ( إذا ) مما يأتي بمعنى ( قد ) .

والرؤية في قوله : ورأيت الناس يجوز أن تكون علمية ، أي : وعلمت علم اليقين أن الناس يدخلون في دين الله أفواجا وذلك بالأخبار الواردة من آفاق بلاد العرب ومواطن قبائلهم وبمن يحضر من وفودهم . فيكون جملة ( يدخلون ) في محل المفعول الثاني لـ ( رأيت ) .

ويجوز أن تكون رؤية بصرية بأن رأى أفواج وفود العرب يردون إلى المدينة يدخلون في الإسلام وذلك سنة تسع ، وقد رأى النبيء - صلى الله عليه وسلم - ببصره ما علم منه دخولهم كلهم في الإسلام بمن حضر معه الموقف في حجة الوداع ، فقد كانوا مائة ألف من مختلف قبائل العرب فتكون جملة ( يدخلون ) في موضع الحال من الناس .

و دين الله هو الإسلام لقوله تعالى : إن الدين عند الله الإسلام وقوله : فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها .

والدخول في الدين : مستعار للنطق بكلمة الشهادة والتزام أحكام الدين الناشئة عن تلك الشهادة . فشبه الدين ببيت أو حظيرة على طريقة المكنية ورمز إليه بما هو من لوازم المشبه به وهو الدخول على تشبيه التلبس بالدين بتلبس المظروف بالظرف ، ففيه استعارة أخرى تصريحية .

والناس : اسم جمع يدل على جماعة من الآدميين ، وقد تقدم عند قوله تعالى : ومن الناس من يقول آمنا بالله في سورة البقرة ، وإذا عرف اسم ناس باللام احتملت العهد نحو الذين قال لهم الناس ، واحتملت الجنس نحو إن الناس قد جمعوا لكم واحتملت الاستغراق نحو ومن الناس من يقول ونحو قل أعوذ برب الناس .

والتعريف في هذه الآية للاستغراق العرفي ، أي : جميع الناس الذين يخطرون بالبال لعدم إرادة معهودين معينين ولاستحالة دخول كل إنسان في دين الله بدليل [ ص: 593 ] المشاهدة ، فالمعنى : ورأيت ناسا كثيرين أو رأيت العرب .

قال ابن عطية : قال أبو عمر بن عبد البر النمري - رحمه الله - في كتاب الاستيعاب في باب خراش الهذلي : " لم يمت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفي العرب رجل كافر ، بل دخل الكل في الإسلام بعد حنين والطائف ، منهم من قدم ومنهم من قدم وافده " اهـ . وإنما يراد عرب الحجاز ونجد واليمن ; لأن من عرب الشام والعراق من لم يدخلوا في الإسلام ، وهم تغلب وغسان في مشارف الشام ، وكذلك لخم وكلب من العراق ، فهؤلاء كانوا نصارى ولم يسلم من أسلم منهم إلا بعد فتح الشام والعراق بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلم يرهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يدخلون في دين الله رؤية بصرية .

ويجوز أن يكون الله أعلمه بذلك إن جعلنا الرؤية علمية .

والأفواج : جمع فوج وهو الجماعة الكثيرة ، وتقدم عند قوله تعالى : هذا فوج مقتحم معكم في سورة ص ، أي : يدخلون في الإسلام ، وانتصب ( أفواجا ) على الحال من ضمير ( يدخلون ) .

وجملة فسبح بحمد ربك جواب ( إذا ) باعتبار ما تضمنته من معنى الشرط ، وفعل ( فسبح ) هو العامل في ( إذا ) النصب على الظرفية ، والفاء رابطة للجواب ; لأنه فعل إنشاء .

وقرن التسبيح بالحمد بباء المصاحبة المقتضية أن التسبيح لاحق للحمد ; لأن باء المصاحبة بمعنى ( مع ) فهي مثل ( مع ) في أنها تدخل على المتبوع ، فكان حمد الله على حصول النصر والفتح ودخول الناس في الإسلام شيئا مفروغا منه لا يحتاج إلى الأمر بإيقاعه ; لأن شأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أنه قد فعله ، وإنما يحتاج إلى تذكيره بتسبيح خاص لم يحصل من قبل في تسبيحاته وباستغفار خاص لم يحصل من قبل في استغفاره .

ويجوز أن يكون التسبيح المأمور به تسبيح ابتهاج وتعجب من تيسير الله تعالى له ما لا يخطر ببال أحد أن يتم له ذلك ، فإن سبحان الله ونحوه يستعمل في التعجب كقول الأعشى :

[ ص: 594 ]

قد قلت لما جاءني فخره سبحان من علقمة الفاخر


وفي تقديم الأمر بالتسبيح والحمد على الأمر بالاستغفار تمهيد لإجابة استغفاره على عادة العرب في تقديم الثناء قبل سؤال الحاجة كما قال ابن أبي الصلت :


إذا أثنى عليك المرء يوما كفاه عن تعرضه الثناء


فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يكن يخلو عن تسبيح الله ، فأريد تسبيح يقارن الحمد على ما أعطيه من النصر والفتح ودخول الأمة في الإسلام .

وعطف الأمر باستغفار الله تعالى على الأمر بالتسبيح مع الحمد يقتضي أنه من حيز جواب ( إذا ) ، وأنه استغفار يحصل مع الحمد مثل ما قرر في فسبح بحمد ربك ، فيدل على أنه استغفار خاص ; لأن الاستغفار الذي يعم طلب غفران التقصير ونحوه مأمور به من قبل وهو من شأن النبيء - صلى الله عليه وسلم - فقد قال : ( إنه ليغان على قلبي فأستغفر الله في اليوم والليلة مائة مرة ) فكان تعليق الأمر بالتسبيح وبالاستغفار على حصول النصر والفتح إيماء إلى تسبيح واستغفار يحصل بهما تقرب لم ينو من قبل ، وهو التهيؤ للقاء الله ، وأن حياته الدنيوية أوشكت على الانتهاء ، وانتهاء أعمال الطاعات والقربات التي تزيد النبيء - صلى الله عليه وسلم - في رفع درجاته عند ربه ، فلم يبق إلا أن يسأل ربه التجاوز عما يعرض له من اشتغال ببعض الحظوظ الضرورية للحياة ، أو من اشتغال بمهم من أحوال الأمة يفوته بسببه أمر آخر هو أهم منه ، مثل فداء أسرى بدر مع فوات مصلحة استئصالهم الذي هو أصلح للأمة ، فعوتب عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقوله تعالى : ما كان لنبي أن يكون له أسرى الآية ، أو من ضرورات الإنسان كالنوم والطعام التي تنقص من حالة شبهه بالملائكة الذين يسبحون الليل والنهار لا يفترون ، فكان هذا إيذانا باقتراب وفاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بانتقاله من حياة تحمل أعباء الرسالة إلى حياة أبدية في العلويات الملكية .

والكلام من قبيل الكناية الرمزية وهي لا تنافي إرادة المعنى الصريح بأن يحمل الأمر بالتسبيح والاستغفار على معنى الإكثار من قول ذلك ، وقد دل ذوق الكلام بعض ذوي الأفهام النافذة من الصحابة على هذا المعنى وغاصت عليه مثل أبي بكر وعمر والعباس وابنه عبد الله وابن مسعود ، فعن مقاتل : ( لما نزلت قرأها [ ص: 595 ] النبيء - صلى الله عليه وسلم - على أصحابه ففرحوا واستبشروا وبكى العباس ، فقال له النبيء - صلى الله عليه وسلم : ما يبكيك يا عم ؟ قال : نعيت إليك نفسك . فقال : إنه لكما تقول . ) وفي رواية : نزلت في منى فبكى عمر والعباس فقيل لهما ، فقالا : فيه نعي رسول الله ، فقال النبيء - صلى الله عليه وسلم : صدقتما نعيت إلي نفسي .

وفي صحيح البخاري وغيره عن ابن عباس : كان عمر يأذن لأهل بدر ويأذن لي معهم ، فوجد بعضهم من ذلك ، فقال لهم عمر : إنه من قد علمتم . قال : فأذن لهم ذات يوم وأذن لي معهم ، فسألهم عن هذه السورة إذا جاء نصر الله والفتح فقالوا : أمر الله نبيئه إذا فتح عليه أن يستغفره ويتوب إليه فقال : ما تقول يا ابن عباس ؟ قلت : ليس كذلك ، ولكن أخبر الله نبيئه حضور أجله فقال : إذا جاء نصر الله والفتح فذلك علامة موتك ، فقال عمر : ما أعلم منها إلا ما تقول . فهذا فهم عمر والعباس وعبد الله ابنه .

وقال في الكشاف : روي أنه لما نزلت خطب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : إن عبدا خيره الله بين الدنيا وبين ما عند الله فاختار ما عند الله عز وجل . فعلم أبو بكر فقال : فديناك بأنفسنا وأموالنا وآبائنا وأولادنا اهـ .

قال ابن حجر في تخريج أحاديث الكشاف : " الحديث متفق عليه إلا صدره دون أوله من كونه كان عند نزول السورة " اهـ . ويحتمل أن يكون بكاء أبي بكر تكرر مرتين أولاهما عند نزول سورة النصر كما في رواية الكشاف والثانية عند خطبة النبيء - صلى الله عليه وسلم - في مرضه .

وعن ابن مسعود أن هذه السورة تسمى سورة التوديع أي : لأنهم علموا أنها إيذان بقرب وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم .

وتقديم التسبيح والحمد على الاستغفار ; لأن التسبيح راجع إلى وصف الله تعالى بالتنزه عن النقص وهو يجمع صفات السلب ، فالتسبيح متمحض لجانب الله تعالى ، ولأن الحمد ثناء على الله لإنعامه ، وهو أداء العبد ما يجب عليه لشكر المنعم ، فهو مستلزم إثبات صفات الكمال لله التي هي منشأ إنعامه على عبده ، فهو جامع بين جانب الله وحظ العبد ، وأما الاستغفار فهو حظ للعبد وحده ; لأنه طلبه الله أن يعفو عما يؤاخذه عليه .

[ ص: 596 ] ومقتضى الظاهر أن يقول : فسبح بحمده ، لتقدم اسم الجلالة في قوله : إذا جاء نصر الله فعدل على الضمير إلى الاسم الظاهر وهو ربك لما في صفة ( رب ) وإضافتها إلى ضمير المخاطب من الإيماء إلى أن من حكمة ذلك النصر والفتح ودخول الناس في الإسلام نعمة أنعم الله بها عليه إذا حصل هذا الخير الجليل بواسطته ، فذلك تكريم له وعناية به وهو شأن تلطف الرب بالمربوب ; لأن معناه السيادة المرفوقة بالرفق والإبلاغ إلى الكمال .

وقد انتهى الكلام عند قوله ( واستغفره ) وقد روي ( أن النبيء - صلى الله عليه وسلم - كان في قراءته يقف عند ( واستغفره ) ثم يكمل السورة ) .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
Karim

avatar

عدد الرسائل : 61
العمر : 42
تاريخ التسجيل : 10/02/2008

بطاقة الشخصية
البيانات البيانات: 10
اسم المستعمل اسم المستعمل: 10

مُساهمةموضوع: سورة النصر   الجمعة 12 يونيو 2009 - 13:27

إنه كان توابا ( 3 )

تذييل للكلام السابق كله وتعليل لما يقتضي التعليل فيه من الأمر باستغفار ربه باعتبار الصريح من الكلام السابق كما سيتبين لك .

وتواب : مثال مبالغة من تاب عليه . وفعل تاب المتعدي بحرف ( على ) يطلق بمعنى وفق للتوبة ، أثبته في اللسان والقاموس ، وهذا الإطلاق خاص بما أسند إلى الله .

وقد اشتملت الجملة على أربع مؤكدات هي : إن ، وكان ، وصيغة المبالغة في التواب ، وتنوين التعظيم فيه .

وحيث كان التوكيد بـ ( إن ) هنا غير مقصود به رد إنكار ولا إزالة تردد ، إذ لا يفرضان في جانب المخاطب - صلى الله عليه وسلم - فقد تمحض ( إن ) لإفادة الاهتمام بالخبر بتأكيده . وقد تقرر أن من شأن ( إن ) إذا جاءت على هذا الوجه أن تغني غناء فاء الترتيب والتسبب وتفيد التعليل وربط الكلام بما قبله كما تفيده الفاء ، وقد تقدم غير مرة ، منها عند قوله تعالى : إنك أنت العليم الحكيم في سورة البقرة ، فالمعنى : هو شديد القبول لتوبة عباده كثير قبوله إياها .

وإذ قد كان الكلام تذييلا وتعليلا للكلام السابق تعين أن حذف متعلق ( توابا ) يقدر بنحو : على التائبين . وهذا المقدر مراد به العموم ، وهو عموم [ ص: 597 ] مخصوص بالمشيئة تخصصه أدلة وصف الربوبية ، ولما ذكر دليل العموم عقب أمره بالاستغفار أفاد أنه إذا استغفره غفر له ، دلالة تقتضيها مستتبعات التراكيب ، فأفادت هذه الجملة تعليل الأمر بالاستغفار ; لأن الاستغفار طلب الغفر ، فالطالب يترقب إجابة طلبه ، وأما ما في الجملة من الأمر بالتسبيح والحمد فلا يحتاج إلى تعليل ; لأنهما إنشاء تنزيه وثناء على الله .

ومن وراء ذلك أفادت الجملة إشارة إلى وعد بحسن القبول عند الله تعالى حينما يقدم على العالم القدسي ، وهذا معنى كنائي ; لأن من عرف بكثرة قبول توبة التائبين شأنه أن يكرم وفادة الوافدين الذين سعوا جهودهم في مرضاته بمنتهى الاستطاعة ، أو هو مجاز بعلاقة اللزوم العرفي ; لأن منتهى ما يخافه الأحبة عند اللقاء مرارة العتاب ، فالإخبار بأنه تواب اقتضى أنه لا يخاف عتابا .

فهذه الجملة بمدلولها الصريح ومدلولها الكنائي أو المجازي ومستتبعاتها تعليل لما تضمنته الجملة التي قبلها من معنى صريح أو كنائي يناسبه التعليل بالتسبيح والحمد باعتبارهما تمهيدا للأمر بالاستغفار كما تقدم آنفا لا يحتاجان إلى التعليل ، أو يغني تعليل الممهد له بهما عن تعليلهما ، ولكنهما باعتبار كونهما رمزا إلى مداناة وفاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يكون ما في قوله : إنه كان توابا من الوعد بحسن القبول تعليلا لمدلولهما الكنائي ، وأما الأمر بالاستغفار فمناسبة التعليل له بقوله : إنه كان توابا ناهضة باعتبار كلتا دلالتيه الصريحة والكنائية ، أي أنه متقبل استغفارك ومتقبلك بأحسن قبول ، شأن من عهد من الصفح والتكرم .

وفعل كان هنا مستعمل في لازم معنى الاتصاف بالوصف في الزمن الماضي ، وهو أن هذا الوصف ذاتي له لا يتخلف معموله عن عباده فقد دل استقراء القرآن على إخبار الله عن نفسه بذلك من مبدأ الخليقة قال تعالى : فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم .

ومقتضى الظاهر أن يقال : إنه كان غفارا ، كما في آية فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا فيجري الوصف على ما يناسب قوله ( واستغفره ) ، فعدل عن ذلك تلطفا مع النبيء - صلى الله عليه وسلم - بأن أمره بالاستغفار ليس مقتضيا إثبات ذنب له لما علمت آنفا من أن وصف ( توابا ) جاء من تاب عليه الذي يستعمل بمعنى وفقه [ ص: 598 ] للتوبة إيماء إلى أن أمره بالاستغفار إرشاد إلى مقام التأدب مع الله تعالى ، فإنه لا يسأل عما يفعل بعباده ، لولا تفضله بما بين لهم من مراده ، ولأن وصف ( توابا ) أشد ملائمة لإقامة الفاصلة مع فاصلة ( أفواجا ) ; لأن حرف الجيم وحرف الباء كليهما حرف من الحروف الموصوفة بالشدة ، بخلاف حرف الراء فهو من الحروف التي صفتها بين الشدة والرخوة .

وروي في الصحيح عن عائشة قالت : ( ما صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاة بعد أن نزلت عليه سورة إذا جاء نصر الله والفتح إلا يقول : سبحانك ربنا وبحمدك ، اللهم اغفر لي ، يتأول القرآن ) أي : يتأول الأمر في قوله : فسبح بحمد ربك واستغفره على ظاهره كما تأوله في مقام آخر على معنى اقتراب أجله - صلى الله عليه وسلم .

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
تفسير الشيخ محمد الطاهر بن عاشور "التحرير و التنوير" لجزء عم
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1
 مواضيع مماثلة
-
» "أنقذ نفسك".. وتخلّص من عيوبك مع أشرف شاهين
» طريقة عمل الشيبسى المقرمش زى الشيبسى اللى بتشتريه فى اكياس"
» قصة "معن بن زائدة والأعرابي"
» حصريا مجهول ينتحل شخصية جدو للنصب على الفنانين " تقرير 90 دقيقة " على اكثر من سيرفر .
» فندق مـيـركـور " الـمـشـتـل تونس

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتديات قوس قزح :: المنتدى العام :: المنتدى العام-
انتقل الى: